أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.














المزيد.....

عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 10:56
المحور: قضايا ثقافية
    


في بلادٍ تُرفع فيها لافتات التعايش كما تُرفع صور الزعماء، وتُتلى فيها خطب الوحدة كما تُتلى بيانات النعي، يبدو أن الفتنة ليست نارًا طارئة، بل مهنةًموسمية يتقنها الجميع حين تحين ساعة الاستثمار، ويطالبون بدفنها حين تخرج عن السيطرة… كأنها وحشٌ أليف،يُربّى في البيوت ثم يُستنكر في الشوارع.الكل اليوم يتحدث عن وأد الفتنة، عن ضرورة خنق الطائفية، عن الأخوّة التي لا تُكسر، وعن الوطن الذي يتسع للجميع… لكن ما إن يطلّ صاحب قرار، أو يعتلي منبرًا رجلٌ بعمامةٍ أثقل من ضميره، حتى تنقلب اللغة، وتُستبدل مفردات التعايش بقاموسٍ آخر، تُستباح فيه الدماء ببلاغة، ويُشرعن فيه القتل بفتوى، ويُختصر فيه الوطن إلى مقاس الطائفة، لا إلى سعة الإنسان.أيُّ عدالةٍ هذه التي تُشبه ميزانًا أُصيب بالدوار؟
تميل حين يتكلم الضعيف، وتستقيم حين يصرخ القوي؟أيُّ قانونٍ هذا الذي يرى الصورة جريمة، ولا يرى المقابر الجماعية حدثًا يستحق التوقف؟وأيُّ دولةٍ تلك التي تُحسن اعتقال“المنشور”، لكنها تعجز عن اعتقال “المجزرة”؟في هذا المسرح العبثي، لا أحد بريء من التمثيل… الكل يحفظ دوره: السياسي يُدين الفتنة في الصباح، ويُغذيها في المساء، ورجل الدين ينهى عن الطائفية في خطبة الجمعة، ثم يوقّع عليها ببيانٍ مسائي، والإعلامي يندد بالكراهية وهو يوزعها على جرعاتٍ يومية، كأنها نشرات جوية لطقسٍ دمويٍّ لا ينتهي.والمفارقة الأكثر سخرية، أن من يطالب بتجريم الخطاب الطائفي، هو ذاته من يحتفظ بأرشيفٍ كامل من الخطب التي لا تصلح إلا لإشعال الحروب، ومن يرفع شعار “القانون فوق الجميع”، يضع تحته ألف قوسٍ استثنائي، يستثني فيه نفسه، وحلفاءه، وأصدقاءه، وكل من يشبهه في المذهب أو المنفعة.هنا، تصبح العدالة وجهة نظر، ويغدو الحق رواية، ويتحول الضحية إلى متهم إذا لم يكن من “المكوّن الصحيح”، أما الجلاد، فيُمنح صك البراءة ما دام يتقن ترديد الشعارات المناسبة في الوقت المناسب.
إن الفتنة في العراق لم تكن يومًا خلافًا عابرًا بين طوائف، بل كانت مشروعًا طويل الأمد، كُتب له أن يعيش لأن من يُفترض بهم دفنه، هم أول من يوقّع على شهادة ميلاده كل مرة… يختلفون عليها علنًا، ويتفقون عليها سرًا، لأنها ببساطة،اللغة الوحيدة التي تضمن بقاءهم.لقد تعلّم العراقي، عبر سنوات الدم، أن الخوف لا يأتي من المختلف عنه، بل من الذي يدّعي حمايته باسمه، وأن الطائفة لم تكن يومًا ملاذًا، بل كانت في كثير من الأحيان قيدًا يُكبّل الإنسان ويمنعه من أن يكون إنسانًا فقط، بلا تعريفاتٍ إضافية تُثقله.
وما أكثر الذين دخلوا السجون بلا ذنب، إلا لأن أسماءهم لا تتوافق مع “مزاج المرحلة”، وما أكثر الذين خرجوا منها بلا حساب، لأن أيديهم موثّقة بدمٍ له غطاء سياسي، لا قضائي… وهكذا، تُصبح البراءة تهمة، والجريمة وجهة نظر، والعدالة… حكاية تُروى للأطفال قبل النوم.أما التعايش، ذلك الكائن الجميل الذي يكتبون عنه في المؤتمرات،فلم يعد سوى صورةٍ تُستخدم عند الحاجة، تُنشر في وسائل الإعلام، وتُرفع في المناسبات، ثم تُسحب بهدوء حين يبدأ توزيع الأدوار الحقيقية خلف الكواليس.التعايش ليس بيانًا، ولا شعارًا، ولا تغريدةً مرتّبة الكلمات… التعايش امتحانٌ أخلاقي،يبدأ حين تختلف، لا حين تتفق، ويُقاس بقدرتك على حماية خصمك، لا على مدح شبيهك… لكنه في بلادنا، اختُزل إلى ديكورٍ لغوي، يُستخدم لتجميل مشهدٍ قبيح، لا لتغييره.ووأد الفتنة، الذي يتغنّى به الجميع، لا يبدأ بخطبٍ رنانة، بل يبدأ بمحاكمة من يشعلها، مهما كان اسمه، ومهما كان لباسه، ومهما كان جمهوره… يبدأ حين يُسأل القوي قبل الضعيف، ويُحاسب المحرّض قبل المتأثر، ويُمنع الصوت الذي يزرع الكراهية، لا الصوت الذي يصرخ من ألمها.أما أن نُطبّق القانون على من لا ظهر له، ونغضّ الطرف عن من يملك ألف ظهر وسند، فذلك ليس قانونًا… بل إدارة ذكية للفوضى، تُبقي النار مشتعلة بما يكفي لتخويف الناس، لا بما يكفي لإحراق السلطة.في النهاية، لا يحتاج العراق إلى من يطالب بوئد الفتنة بقدر ما يحتاج إلى من يتوقف عن إطعامها… لا يحتاج إلى خطبٍ عن الوحدة، بل إلى أفعالٍ تُشبهها، ولا إلى شعاراتٍ عن العدالة، بل إلى قضاءٍ لا يسأل عن الاسم قبل أن ينطق بالحكم.وحينها فقط… ربما، فقط ربما، سيكتشف الجميع أن الوطن لا يُبنى على مقاس الطائفة، بل على مقاس الإنسان… وأن الدم، أيًّا كان لونه أو اسمه، لا ينبغي أن يكون مادةً للخطابة، بل جرحًا يُخجل الجميع.أما الآن… فكل ما يجري، ليس سوى فصلٍ جديد من مسرحيةٍقديمة،عنوانها:“رمتني بدائها… وانسلت، تاركةً الوطن ينزف وحده.”



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.


المزيد.....




- عناقٌ حقيقي بعدما تخلت أمه عنه.. شاهد -بانش- القرد يجد الدفء ...
- -اهتزت الأرض-.. ما حقيقة فيديو -التجربة النووية في إيران-؟
- ما هي الجزر الصغيرة في الخليج التي قد تكون هدفًا لهجمات ترام ...
- دول أوروبية تتخذ إجراءات مستعجلة لمواجهة تداعيات حرب الشرق ا ...
- القلق: هل هو رسالة من العقل أم من الجسد؟
- ريبورتاج: أوضاع إنسانية صعبة بالنبطية جنوب لبنان بسبب الحرب ...
- بوتين: موسكو لا تزال صديقا وفيا وشريكا موثوقا لإيران
- 20 مصابا في منطقة ديمونة جنوب إسرائيل جراء هجوم صاروخي إيران ...
- حرب إيران.. نهاية قريبة أم منعطف خطير للصراع؟
- من وراء الكواليس.. كيف يدير روته ضغوط ترامب على الناتو؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.