أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.














المزيد.....

ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 01:19
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تكن ثورة تشرين مجرد احتجاج عابر في تقويم الأزمات العراقية، بل كانت لحظة انكشاف كبرى، لحظة خرج فيها الإنسان العراقي من صمته الطويل كأنما يسترد صوته المسروق منذ عقود، لا ليطلب شيئًا ترفيًا، بل ليعلن أنه ما عاد يحتمل هذا القدر من التزييف الذي غُلّف به الوطن، ولا هذا الثقل الذي جثم على صدره باسم الطائفة تارة، وباسم المقاومة تارة أخرى، بينما الحقيقة كانت تُسحق تحت أقدام المصالح والولاءات العابرة للحدود. لقد جاءت تشرين من رحم المعاناة، من بطالة أنهكت الشباب، ومن فسادٍ استشرى حتى صار نظامًا غير معلن، ومن دولةٍ بدت وكأنها تدار من خارج حدودها أكثر مما تُدار من داخلها، فجاءت الصرخة صافية، بلا شعارات معقدة، وبلا رايات حزبية، صرخة تقول ببساطة: نريد وطنًا.وفي تلك اللحظة الفارقة، انكشفت واحدة من أكثر الحقائق حساسية، وهي أن الانتماء الطائفي الذي طالما استُخدم كأداة تعبئة، لم يكن كافيًا لإسكات الجوع أو تبرير الفشل، وأن من خرجوا إلى الساحات،وقدموا دماءهم على أرصفة المدن، لم يكونوا أدوات بيد أحد، بل كانوا أبناء هذا الوطن، يحملون وجعه ويبحثون عن خلاصه. لقد كانت انتفاضة تشرين في جوهرها انتفاضة بيئة شيعية مسحوقة قبل أن تكون أي شيء آخر، بيئة اكتشفت أن من يتحدث باسمها لا يمثلها، وأن من يدّعي حمايتها قد يكون أول من يخذلها حين تتعارض مصالحه مع كرامتها. ثمانمئة شهيد وأكثر، سقطوا وهم يهتفون للعراق، لا لطائفة، ولا لمرجعية سياسية، بل لهوية أوسع وأعمق، هوية تُختزل بكلمة واحدة: الوطن.القمع الذي واجه تلك الثورة لم يكن مجرد رد فعل أمني، بل كان تعبيرًا عن خوف عميق من لحظة الوعي، لأن السلطة حين تخاف من شعبها، فإنها لا ترى في صوته حقًا بل خطرًا، وهكذا تحولت الساحات إلى ميادين دم، والرصاص إلى لغة حوار،والاختطاف إلى وسيلة إسكات،في مشهدٍ ترك أثرًا بالغ القسوة في الذاكرة العراقية. لكن المفارقة أن هذا القمع، على قسوته، لم يُنهِ الفكرة،بل رسّخها، إذ كل قطرة دم سقطت كانت تكتب سطرًا جديدًا في وعي جمعي بدأ يتشكل، وبدأ معه العراقي يدرك أن الخلاص لا يُمنح بل يُنتزع، وأن الصمت لم يعد خيارًا ممكنًا.أما الحديث عن إيران، فقد خرج من نطاق الشعارات إلى فضاء الفحص الحقيقي، إذ لم تعد الصورة كما رُسمت سابقًا، ولم يعد الخطاب العاطفي قادرًا على إخفاء الواقع، فالدول، بطبيعتها، لا تتحرك بدوافع مذهبية بقدر ما تتحرك بدوافع مصالح، وما تريده إيران في العراق لم يكن يومًا مرتبطًا بحب الشيعة بقدر ما كان مرتبطًا بمدى قدرتها على النفوذ والسيطرة، سواء كان ذلك عبر الشيعي أو غيره، فالمعادلة ليست عقائدية بقدر ما هي سياسية بحتة، ومن يظن أن الدول ترعى الشعوب بدافع الانتماء الديني وحده، فإنه يغفل عن أبسط قوانين السياسة التي تحكم العالم.ومن هنا، فإن التعميم كان واحدًا من أكبر الأخطاء التي حاول البعض ترسيخها،فليس كل شيعي تابعًا، وليس كل من ينتمي إلى هذه الطائفة يقبل أن يكون أداة بيد الخارج، بل إن ثورة تشرين نفسها كانت أكبر دليل على وجود تيار وطني داخل هذا المكون،تيار يرفض الوصاية، ويعتز بعروبته، ويرى في العراق هوية لا تُختزل، في مقابل فئة أخرى اختارت أن تربط مصيرها بالخارج، وأن تقدم الولاء على الانتماء،وهذه هي الإشكالية التي فجرتها تشرين بوضوح، إذ لم تعد المسألة صراع طوائف، بل صراع بين وطنيين يرون العراق وطنًا نهائيًا، وبين تابعين يرونه ساحة نفوذ.لقد دمرت سنوات الفساد والارتهان الكثير من ملامح الدولة، لكن ما لا يمكن إنكاره أن تشرين، رغم ما تعرضت له، أعادت تعريف أشياء كثيرة، أعادت تعريف الهوية، والولاء، والعدو،والصديق،وأسقطت أقنعة كانت تبدو راسخة، وأثبتت أن الشعوب قد تُخدع لبعض الوقت، لكنها لا تُخدع إلى الأبد، وأن الدم حين يُراق ظلمًا، فإنه لا يضيع، بل يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة حين تتراكم، تصبح وعيًا، والوعي حين ينضج، يصبح تغييرًا.وهكذا، تبقى ثورة تشرين، بكل ما فيها من ألم وأمل،علامة فارقة في تاريخ العراق الحديث، لا لأنها نجحت في تحقيق كل أهدافها، بل لأنها نجحت في شيء أهم، وهو أنها كشفت الحقيقة، والحقيقة، مهما كانت مؤلمة،هي الخطوة الأولى نحو الخلاص.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.
- مضيق العالم المشتعل… حين تُعاد كتابة خرائط القوة على حافة مض ...
- بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.


المزيد.....




- -أمريكا تستعد لإرسال المزيد من الجنود إلى الشرق الأوسط-.. مص ...
- ترامب يؤكد المفاوضات مع إيران ويتحدث عن -هدية كبيرة جدًا-.. ...
- -تحظى باحترام ترامب-.. من هي الشخصية الإيرانية التي تفاوض ال ...
- الرئيس الألماني: الحرب على إيران -كارثة سياسية- وتشكل -انتها ...
- ترامب يغيّر لهجته تجاه إيران: ما خلفيات الانتقال من التصعيد ...
- ملك الأردن: أي اتفاق لوقف الحرب يجب أن يراعي أمن الدول العرب ...
- العراق يمنح الحشد الشعبي -حقّ الرد-.. واستدعاء مرتقب للقائم ...
- بعد 9 أعوام.. محمد صلاح يعلن أخيرا الرحيل عن ليفربول.. لكن إ ...
- ابعاد السفير الايراني بين تأكيد السيادة ومخاطر التصعيد
- سماء تمطر نارا.. كيف اخترقت صواريخ إيران العنقودية الدفاعات ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.