أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخالفةً قانونية.














المزيد.....

دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخالفةً قانونية.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 16:44
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يولد الإنسان بذيل، هذه حقيقة بيولوجية قديمة، لكن يبدو أن التاريخ لم يكن راضيًا عن هذا النقص، فقرّر أن يعوّضه بطريقته الخاصة، لا عبر الجينات، بل عبر الخوف، لا عبر التطور،بل عبر التنازل، فشيئًا فشيئًا، بدأت الذيول تنمو، لا في الأجساد، بل في المواقف، لا تُرى بالعين، لكنها تُقاس بدرجة الانحناء، وتُسمع في نبرة الصوت حين يصبح الهمس أعلى من الصراخ، والصمت أبلغ من الحقيقة،وكأن الإنسان، ذلك الكائن الذي قيل عنه إنه سيد قراره، قرر فجأة أن يكون تابعًا لظلّه، أو لظلّ من هو أقوى منه، أو حتى لظل وهمي لا وجود له إلا في رأسه المرتجف.في حكاية “التوابين” و”التوابات” التي تُروى بضحكة خفيفة وغمزة ثقيلة، لا نرى مجرد قصة عابرة عن زمنٍ مضطرب، بل نرى كيف يمكن للتوبة أن تتحول من فعلٍ أخلاقي نبيل إلى إجراء إداري، ومن رجوعٍ إلى الذات إلى هروبٍ منها، التوبة التي يفترض أن تكون حوارًا داخليًا بين الإنسان وضميره، صارت صفقةً بينه وبين الخوف، توقّع بالإكراه وتُختم بالصمت، وهنا لا يعود السؤال: هل تابوا؟ بل:عمّن تابوا؟ عن أخطائهم أم عن أنفسهم؟ عن ذنوبهم أم عن حريتهم؟ لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين إنسانٍ ينهض وإنسانٍ ينحني، وبين رأسٍ يفكر وذيلٍ يُجرّ.وما إن اكتملت الصفقة، حتى بدأ العرض الأكبر، عرض إعادة التدوير البشري، حيث يتحول “التائب” إلى مشروع تابع، ويُعاد تشكيله ليكون صالحًا للاستخدام في ماكينة أكبر منه،ماكينة لا تسأل عن قناعاته بقدر ما تهتم بمدى طاعته، وهنا يظهر الذيل بوصفه ضرورة وظيفية، لا عيبًا أخلاقيًا،بل ميزة تنافسية، لأن الذي بلا ذيل يُتعبهم، يسأل كثيرًا،يعترض،يحرجهم بحضوره المستقيم، أما صاحب الذيل،فهو مرن، قابل للطي، سهل التوجيه، لا يحتاج إلى إقناع، يكفي أن يُشار إليه فينحني، أن يُطلب منه فيوافق، أن يُخيف فيصمت، وكأن الذيل ليس امتدادًا للعار، بل اختصارًا للنجاة.ثم تأتي المرحلة الأكثر طرافةً وإيلامًا في آنٍ واحد، حين لا يكتفي النظام بإنتاج الذيول، بل يشرع في توريثها، لا عبر الدم، بل عبر التربية،فينشأ جيلٌ كامل لا يعرف أن الوقوف ممكن، ولا أن الظهر خُلق ليستقيم، بل يظن أن الانحناء هو الوضع الطبيعي، وأن الذيل جزء من الهوية،وربما من الكرامة، فيدافع عنه بحماسة، ويهاجم كل من يجرؤ على العيش بلاه، وكأن الحرية بدعة، والاستقامة خروج عن المألوف، وهنا تتحول المأساة إلى مهزلة، مهزلة يضحك فيها الضحية على نفسه،ويصفّق لسجانه، ويكتب الشعر في مدح القيد، لا لأنه جميل، بل لأنه اعتاد عليه.ولأن الإنسان كائن بارع في تبرير ضعفه، فقد اخترع فلسفات كاملة لتجميل الذيل، فقال إنه حكمة، وإنه مرونة، وإنه تكتيك للبقاء، وربما قال إنه “تقية” أو “واقعية”، وكلها أسماء أنيقة لشيءٍ واحد: الخوف، ذلك الكائن الخفي الذي لا يُرى لكنه يربّي الذيول كما تُربّى المواشي، يسقيها بالقلق، ويغذّيها بالتهديد، حتى تكبر وتصبح جزءًا من الشخصية، لا يشعر بها صاحبها، بل يشعر بالنقص إن حاول التخلي عنها،كأنها عضو حيوي لا يمكن العيش بدونه، بينما الحقيقة أنها مجرد عادة سيئة، طال بها الزمن حتى صارت قدرًا.والمفارقة التي تستحق الضحك حتى البكاء، أن المجتمعات التي تكثر فيها الذيول، لا تعاني من نقص في القادة، بل من فائض في الأتباع، فكل ذيل يبحث عن رأس، وكل رأس يبحث عن ذيول، وتتشكل شبكة معقدة من التبعية، لا أحد فيها حر تمامًا، ولا أحد فيها مسؤول تمامًا، الكل يختبئ خلف الكل، والنتيجة: عالمٌ يمشي إلى الخلف وهو يظن أنه يتقدم، يصفّق للأكثر انحناءً، ويشك في كل من يقف مستقيمًا، كأن الاستقامة تهمة،والانحناء وسام.وفي النهاية، لا تكمن خطورة الذيل في كونه موجودًا، بل في كونه مُحببًا، مُبررًا، مُزيّنًا بالكلمات الكبيرة،لأن أخطر لحظة في حياة الإنسان ليست حين يُجبر على الانحناء، بل حين يقتنع أن الانحناء خياره، وأن الذيل جزء من حريته، هنا فقط تكتمل المأساة، لا لأن الذيول كثرت، بل لأن الرؤوس توقفت عن الحلم بالعودة إلى مكانها الطبيعي فوق الأكتاف، لا خلفها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.
- مضيق العالم المشتعل… حين تُعاد كتابة خرائط القوة على حافة مض ...
- بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .


المزيد.....




- قصف مدرسة ميناب.. إيران تحمل الولايات المتحدة المسؤولية وتدع ...
- -مرحبًا بك حتى لو تعاطيت الماريجوانا-.. واشنطن توسّع باب الت ...
- ما الذي ينتظر منطقة الشرق الأوسط بعد انتهاء مهلة ترامب لإيرا ...
- الحرب في الشرق الأوسط.. في قلب العاصفة، العراق يفقد توازنه ب ...
- البنتاغون يدرس 4 سيناريوهات للحسم مع إيران.. هل هي قابلة للت ...
- الصور الأولى لرش إسرائيل جنوب لبنان بالفوسفور الأبيض فوق منا ...
- أوبوس داي: النفوذ الخفي في إسبانيا
- مجموعة السبع تطالب واشنطن بتوضيح أهداف حرب إيران وتتهم روسيا ...
- 22 قتيلا وآلاف الإصابات والإخلاءات بإسرائيل منذ بدء الحرب عل ...
- -تجويع- وعزلة تامة.. ظروف سجن قاسية لمادورو تثير تفاعلا بالم ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخالفةً قانونية.