أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.














المزيد.....

كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 09:30
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الخراب دائمًا صاخبًا كما نظن، ولا يأتي على هيئة انفجارٍ عظيم يهزّ الجدران، بل كثيرًا ما يتسلل بصمتٍ ثقيل، كالماء حين ينخر في أساسات البيوت دون أن يُرى، حتى إذا ما استيقظ أهل الدار وجدوا أنفسهم في العراء، يتساءلون: متى سقط السقف؟ ومن الذي أطفأ آخر مصباحٍ في خزينة الوطن؟ هكذا تبدأ الحكايات الكبرى في بلادٍ اعتادت أن تخلط بين الدولة والغنيمة، وبين السلطة والقدر.في لحظةٍ ما، يصبح المال العام كائنًا بلا روح، مجرد أرقامٍ تُنقل من خانةٍ إلى أخرى، لكن خلف تلك الأرقام تختبئ أرواح الناس، تعبهم، أعمارهم المؤجلة،وأحلامهم التي أُودعت في المصارف كمن يودع قلبه في صندوق أماناتٍ لا يُفترض أن يُفتح إلا بمفتاح الثقة. غير أن الثقة، حين تُستنزف،تتحول إلى دينٍ ثقيل، والدولة حين تستدين من مواطنيها دون إذنٍ واضح، فإنها لا تقترض المال فقط، بل تقترض الزمن نفسه، وتؤجل الانهيار إلى لحظةٍ أكثر قسوة.ما حدث ليس مجرد أزمة سيولة عابرة، بل هو انعكاس لفكرة أعمق، لفلسفة حكمٍ ترى في المال العام وسيلةً لتسكين الألم اللحظي، لا لبناء مستقبلٍ مستقر. حين تُستخدم أموال المودعين لدفع الرواتب، فإن الدولة لا تحلّ المشكلة، بل تؤجلها، كمن يطفئ حريقًا في غرفةٍ ويشعل أخرى ليبقى الدفء قائمًا. إنها إدارة الأزمات بمنطق الضرورة، لكن الضرورة حين تستمر، تتحول إلى نهج، والنهج حين يترسخ، يصبح قدرًا مفروضًا على شعبٍ كامل.الخزينة لا تُفرغ فقط حين تُسحب منها الأموال، بل تُفرغ حين تفقد معناها، حين تتحول من رمزٍ للسيادة الاقتصادية إلى مجرد صندوقٍ يُستدعى عند الحاجة، بلا تخطيطٍ طويل الأمد، ولا رؤيةٍ تتجاوز حدود الشهر القادم. الدولة التي تعتمد على حلولٍ مؤقتة، تشبه رجلًا يبيع أثاث بيته قطعةً قطعة ليؤخر لحظة الجوع، حتى يجد نفسه في النهاية جالسًا على الأرض، بلا شيءٍ يبيعه سوى ذكرياته.أما حين تُدفع المليارات تحت ضغط التهديدات الخارجية، فإن السؤال لا يعود ماليًا فقط، بل سياديًا أيضًا: هل القرار الاقتصادي مستقل، أم أنه يُدار تحت وطأة الخوف من انهيار السمعة الدولية؟ إن التصنيف الائتماني ليس مجرد رقمٍ في تقارير الأسواق، بل هو انعكاس لصورة الدولة في أعين الآخرين، وحين تهتز هذه الصورة، فإن الثمن لا يُدفع بالدولارات فقط، بل بفقدان الهيبة، وهي أثمن من أي رصيد.في هذا المشهد، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف، لا لأنه بلا قوة، بل لأنه الطرف الذي لا يملك خيارًا سوى الانتظار. ينتظر راتبه، ينتظر سحب أمواله، ينتظر انفراجًا لا يأتي، بينما تُدار اللعبة فوق رأسه بلغةٍ لا تُترجم إلى خبزٍ على الطاولة ولا إلى أمانٍ في الغد. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين يتحول الإنسان من شريكٍ في الوطن إلى متفرجٍ على مصيره.إن إفراغ الخزينة ليس حدثًا ماليًا بحتًا، بل هو لحظة انكشافٍ فلسفية، تُعرّي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين السلطة والثروة، بين الحاضر والمستقبل. هو سؤالٌ مفتوح: هل الدولة كيانٌ يحمي الناس، أم أنها آلةٌ تستهلكهم حين تضيق بها السبل؟ وهل يمكن لوطنٍ أن ينهض وهو يستدين من جيوب أبنائه ليبقى واقفًا يومًا آخر؟في النهاية، لا تسقط الدول حين تنفد أموالها فقط، بل حين تفقد قدرتها على إعادة إنتاج الثقة. فالمال يمكن تعويضه، لكن الثقة إذا انهارت، فإنها تترك فراغًا أشد قسوة من أي خزينةٍ خاوية، فراغًا لا يُملأ إلا بزمنٍ طويل، وإرادةٍ لا تخشى مواجهة الحقيقة، مهما كانت موجعة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.
- مضيق العالم المشتعل… حين تُعاد كتابة خرائط القوة على حافة مض ...
- بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.


المزيد.....




- إعلام إيراني: مقتل رئيس استخبارات سلاح البحرية بالحرس الثوري ...
- لبنان.. قصف على عشرات البلدات وحزب الله يستدرج قوة إسرائيلية ...
- وزيرة بريطانية تحذر: حرب إيران قد تزيد التشرد في بريطانيا
- خلافات أوروبية أمريكية محتدمة.. حرب إيران تهدد بوقف إمدادات ...
- غارات إسرائيلية على طهران.. وهجمات صاروخية إيرانية
- مكتب أبوظبي الإعلامي: نتعامل مع حريق جراء شظايا صاروخ
- بعد أوغندا، ماهي الدولة التي قد تساعد إسرائيل عسكريا؟
- ما أهمية المنشآت النووية التي استهدفتها إسرائيل في حملة اليو ...
- هوليوود- الليغو: حرب أخرى بين طهران وواشنطن
- رجل مُعمم يؤم ضباطا في منشأة عسكرية: ما رسالة طهران؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.