أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.














المزيد.....

بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 03:37
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس سؤالًا بريئًا ذاك الذي يُلقى على جراحٍ لم تندمل بعد: لماذا لا تقفون مع إيران؟ كأن الذاكرة رفاهية، وكأن الدم الذي سال في الأزقة والأنهار مجرد حبرٍ يمكن محوه بجملة سياسية عابرة، أو بيانٍ يُتلى على عجلٍ في نشرة أخبارٍ عابرة. السؤال في جوهره ليس استفسارًا، بل هو اختبارٌ قاسٍ لمدى قابلية الإنسان أن يخون ذاكرته، وأن يتواطأ مع ألمه، وأن يعيد تعريف الجلاد بوصفه حليفًا حين تتغير خرائط المصالح.في هذا الشرق، لا تموت الأشياء بسهولة، فالرصاص حين يخترق الجسد لا يخرج منه بالكامل، يبقى شيء منه في الذاكرة، في الحكايات، في عيون الأمهات، وفي صمت المدن التي تعلّمت كيف تُخفي أنينها كي لا تُتّهم بالطائفية. هنا، حيث تختلط السياسة بالعقيدة، يتحول الإنسان إلى ساحة حربٍ متنقلة، وتصبح الهوية تهمةً تحتاج إلى إثبات البراءة كل يوم.حين يُطلب من الضحية أن يصفق، لا لأن الجلاد تغيّر، بل لأن الجلاد دخل في صراعٍ مع جلادٍ آخر، فإننا لا نكون أمام سياسة، بل أمام عبثٍ أخلاقي عميق،حيث تُختزل القيم إلى مجرد اصطفافات، ويُطلب من المقتول أن يعيد ترتيب مشاعره وفق جدول المصالح الدولية. كأن الدم يمكن أن يُعاد تأويله، وكأن المقابر الجماعية مجرد سوء فهمٍ تاريخي.لقد عاشت مدنٌ كاملة تحت وطأة قوى ادّعت الخلاص وهي تمارس الإلغاء، وتحدثت باسم المستضعفين وهي تعيد إنتاج الاستضعاف، ورفعت شعارات المقاومة وهي تبني إمبراطورياتٍ من الخوف. لم يكن الخراب صدفة، ولم تكن الفوضى قدرًا، بل كانت نتيجة هندسة دقيقة لصراعٍ طويل، استُخدمت فيه الهويات كسلاح، والمذاهب كوقود، والإنسان كأرخص تفصيل في المعادلة.في العراق، لم يكن الألم روايةً واحدة، بل كان أرشيفًا مفتوحًا من الفواجع، حيث تداخلت الأيدي، وتشابكت المشاريع، وتحوّل البلد إلى مرآةٍ تعكس صراعات الآخرين. لكن ما لا يمكن القفز فوقه هو أن جزءًا كبيرًا من هذا الخراب جاء عبر أذرعٍ واضحة، تحمل خطابًا دينيًا وتعمل بمنطقٍ سلطوي، تُجيّر المقدس لخدمة النفوذ، وتُعيد تعريف الوطن بوصفه ساحةً تابعة لا كيانًا مستقلًا.المفارقة الأكثر قسوة أن من يُطالب اليوم بالموقف، يتجاهل أن الموقف نفسه صُنع تحت النار، وأن الوعي لم يكن نتاج تنظيرٍ بارد، بل نتيجة تجربةٍ حارقة.الناس لا يكرهون من فراغ، ولا يرفضون من باب التعصب المجرد، بل لأنهم عاشوا ما يجعل الرفض ضرورةً نفسية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. الذاكرة هنا ليست أيديولوجيا، بل دفاعٌ أخير عن إنسانٍ كاد أن يُمحى.وإذا كان التاريخ قد علّمنا شيئًا، فهو أن الأنظمة التي تُبنى على فكرة التفوق العقائدي لا ترى في الآخرين شركاء، بل أدوات، وأنها مهما رفعت من شعارات العدالة، فإنها في لحظة التمكين تنقلب إلى نسخةٍ أكثر قسوة من خصومها. فالعقيدة حين تتحول إلى مشروع سلطة، تفقد بعدها الروحي، وتصبح مجرد آلةٍ لإعادة إنتاج الهيمنة.إن السؤال الحقيقي ليس لماذا لا نقف مع هذا الطرف أو ذاك، بل لماذا يُراد لنا دائمًا أن نقف، أن نُصنّف، أن نُختزل في موقفٍ ثنائي، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من كل هذه الاختزالات. ربما لأن الإنسان الحرّ هو أخطر ما يمكن أن يواجهه أي مشروعٍ شمولي، لأنه يرفض أن يكون رقمًا في معادلة، أو صوتًا في جوقة، أو ذاكرةً قابلةً لإعادة البرمجة.
في النهاية، لا يمكن لمن عاش الحريق أن يمد يده إلى النار، حتى لو قيل له إن هذه النار تغيّرت. الجراح التي لم تُعالج لا تتحول إلى مواقف سياسية، بل تبقى ندوبًا تذكّر صاحبها كل يوم بأن العدالة لم تتحقق، وأن الحقيقة ما زالت مؤجلة، وأن المستقبل الذي يُراد له أن يُبنى على النسيان، ليس إلا نسخةً أخرى من الماضي، بوجوهٍ جديدة وخطابٍ أكثر براعة.وهكذا، يبقى الإنسان في هذه الأرض محكومًا بثنائية موجعة: أن يتذكر فيُتّهم، أو ينسى فيخون نفسه. وبين التهمة والخيانة، يختار بعضهم أن يبقى إنسانًا، حتى لو دفع ثمن ذلك عزلةً، أو سوء فهم، أو حتى اتهامًا بأنه لا يجيد فن الاصطفاف. لأن الحقيقة، في نهاية المطاف، ليست ما يُقال لنا أن نؤمن به، بل ما عشناه ولم نستطع نسيانه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.
- مضيق العالم المشتعل… حين تُعاد كتابة خرائط القوة على حافة مض ...
- بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .


المزيد.....




- -أتعاب المحامي- و-الصراخ ليلًا في زنزانته-.. كواليس ما حدث د ...
- كم عدد قوات الجيش الأمريكي المتجهة للمنطقة.. والموجودة بالفع ...
- وزراء خارجية مجموعة السبع يبحثون خفض التصعيد مع إيران وتداعي ...
- تقرير: إسرائيل تعدّل استراتيجيتها في حرب إيران
- -الجغرافيا كانت في صفها-.. كيف امتلكت إيران -اليد العليا- في ...
- نائب أمريكي يكره المسلمين ويفوز بدائرة تضم كثيرا منهم.. ما ا ...
- تقارير: البنتاغون انتقل للتخطيط لعمل بري بإيران وترمب يدرس إ ...
- -أبل- تخطط لتحديثات ذكاء اصطناعي مهمة في مساعدها -سيري-
- نطنز وأصفهان وأراك.. ماذا تبقّى من البرنامج النووي الإيراني؟ ...
- حزب الله ينفّذ هجومه الأكبر ضد إسرائيل والحرس الثوري يطلق ال ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.