أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.














المزيد.....

المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 07:44
المحور: قضايا ثقافية
    


في السابع والعشرين من آذار، حين يمرّ يوم المسرح العالمي كنسمةٍ خفيفة فوق ذاكرة الشعوب، ينهض المسرح العراقي من صمته الطويل كشيخٍ تعب من الحكايات لكنه لا يزال يؤمن أن الخشبة قادرة على إنقاذ ما تبقّى من الروح،فيتذكّر أبناؤه، ولو لبرهة، أن هذا الفن لم يكن يومًا ترفًا، بل كان مرآةً حادّة تكشف التجاعيد الخفية في وجه المجتمع، وكان ضميرًا حيًّا يكتب الألم بلغة الضوء والظل، وكانت بغداد، حين تصحو على أصوات الممثلين، تبدو وكأنها مدينة تُعاد كتابتها كل ليلة على خشبةٍ صغيرة.هناك، في ذاكرة الضوء، تقف دائرة السينما والمسرح وهي تحاول أن تُبقي الجذوة مشتعلة، ومعها نقابة الفنانين العراقيين التي تشبه حارسًا متعبًا يحرس بوابة الفن من الانطفاء، وفي عمق هذا المشهد، تلوّح فرقة المسرح الوطني العراقي بذكراها السابعة والخمسين، كأنها تقول إن الزمن، مهما قسا، لا يستطيع أن يُسقط ذاكرةً كُتبت بالعرق والدموع. وعلى خشبة مسرح الرشيد، التي شهدت صعود الحكايات وسقوطها، لا تزال الأرواح القديمة تتجوّل بين المقاعد، تفتّش عن تصفيقٍ صادق يشبه ما كان.
المسرح، في جوهره، ليس مجرد عرضٍ يُقدَّم، بل هو لحظة مواجهة بين الإنسان ونفسه، بين الحقيقة والقناع، بين ما نقوله وما نخشى قوله، ولذلك كان المسرح العراقي، عبر تاريخه، أكثر من فن؛ كان وثيقةً حيّة لوجع البلاد، وكان لغةً موازية للتاريخ، يكتب بها الفنانون ما عجزت السياسة عن قوله،فمن حقي الشبلي الذي وضع اللبنات الأولى، إلى يوسف العاني الذي جعل الخشبة تتكلم بلسان الناس، وصولًا إلى قاسم محمد وإبراهيم جلال الذين حوّلوا المسرح إلى مختبرٍ جمالي يختبر معنى الوجود نفسه، كان العراق يكتب مسرحه كما يكتب قدره، بجرأةٍ لا تخلو من الألم.لكن المفارقة التي تشبه الخديعة أن هذا المسرح، الذي كان يلتقط أدقّ تفاصيل المجتمع ويحوّلها إلى صورٍ نابضة، أصبح اليوم عاجزًا عن التقاط أنفاسه، كأن الخشبة التي كانت يومًا منبرًا للحقيقة صارت تبحث عمّن ينقذها من الغياب، فالبنية التحتية التي تآكلت تحت وطأة الحروب تشبه جسدًا أنهكته المعارك، والمسارح التي كانت تضجّ بالحياة باتت صامتة كقبورٍ أنيقة،والتمويل الذي غاب ترك الفنان وحيدًا في مواجهة العتمة، يصنع من العدم عرضًا، ومن التعب حلمًا، ومن الإهمال مقاومة.وفي ظل هذا التراجع،تمدّد نوعٌ آخر من المسرح، مسرحٌ لا يشبه روحه الأولى، مسرحٌ تجاريٌّ يقدّم الضحك بوصفه تخديرًا لا بوصفه وعيًا، يضحك الجمهور فيه لينسى لا ليفهم، وكأن الخشبة تحوّلت من فضاءٍ للتساؤل إلى وسيلةٍ للهروب، ومن أداةٍ لكشف الألم إلى ستارٍ يُخفيه،وهنا تكمن المأساة الحقيقية،ليس في قلة العروض، بل في فقدان المعنى.لقد كان المسرح العراقي،في أزمنته الذهبية، يطرح الأسئلة التي يخشاها الجميع، يعرّي السلطة حينًا، ويكشف هشاشة الإنسان حينًا آخر، لكنه اليوم محاصر بين رقابةٍ تُقيّد الفكرة، وظروفٍ سياسيةٍ تُربك الرؤية، وواقعٍ أمنيٍّ لا يمنح الفنان مساحةً كافية ليحلم، فهاجر كثيرون،وصمت آخرون، وبقيت الخشبة تنتظر من يعيد إليها صوتها، كما تنتظر الأم عودة أبنائها من المنافي البعيدة.ومع ذلك، وبرغم كل هذا الخراب، لا يزال في المسرح العراقي شيءٌ يشبه المعجزة، شيءٌ يرفض الموت، ربما هو إيمان الفنان بأن العرض، مهما كان صغيرًا، يمكن أن يغيّر إنسانًا، وربما هو ذلك الإصرار الغامض على أن الحياة، مهما ضاقت، تحتاج إلى خشبةٍ تُروى عليها، فالفنان العراقي، حتى وهو محاصر، لا يتوقف عن الحلم، ولا يتخلى عن دوره ككائنٍ يرى أبعد مما يُرى.إن المسرح ليس مجرد فن، بل هو بوصلة مجتمع، وإذا اختلت هذه البوصلة،ضاعت الاتجاهات، ولذلك فإن إنقاذ المسرح العراقي ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية، لأن أمةً بلا مسرح، أمةٌ بلا مرآة، وبلا مرآة لا يمكن أن ترى عيوبها، ولا أن تصحح مسارها، ولا أن تفهم نفسها.في يوم المسرح العالمي، لا يكفي أن نحتفل، بل يجب أن نصغي، أن نصغي جيدًا إلى خشبةٍ تتألم بصمت،إلى ممثلٍ يصرخ ولا يسمعه أحد، إلى تاريخٍ يُطوى ببطء تحت ركام الإهمال، فالمسرح العراقي لا يحتاج إلى تصفيقٍ عابر، بل إلى إيمانٍ حقيقي يعيد له مكانته، ويمنحه القدرة على أن يكون، مرةً أخرى، ذلك الصوت الذي لا يُشترى، ولا يُقمع، ولا يموت.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.
- مضيق العالم المشتعل… حين تُعاد كتابة خرائط القوة على حافة مض ...
- بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.


المزيد.....




- إصابات بين جنود أمريكيين في قصف إيراني على قاعدة عسكرية بالس ...
- بعد البنى التحتية والنووية.. استهداف جامعة في العاصمة الإيرا ...
- هل تتسع المواجهة بعد إطلاق صاروخ من اليمن على إسرائيل؟
- وزارة الدفاع الروسية: إسقاط 155 مسيرة أوكرانية خلال الليل
- موريتانيا تدين قتل مواطنيها في مالي وتطالب بتحقيق عاجل
- طوابير مطار أتلانتا تنحسر بعد ساعات من الفوضى والانتظار الطو ...
- قصف مفاعل -أراك- ومصانع صلب وواشنطن تنتظر رد طهران الليلة
- زعيم المعارضة الإسرائيلية يحذر من -كارثة أمنية- بسبب نقص الق ...
- في سابقة من نوعها... توقيع ترمب سيظهر على العملة الأميركية
- ولي العهد السعودي والرئيس الأوكراني يبحثان التصعيد العسكري ف ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.