أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.














المزيد.....

العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 21:13
المحور: قضايا ثقافية
    


في زمنٍ بعيدٍ لم تكن فيه طهران تعرف طريقها إلى خرائط الآخرين، كان الإنسان يكتفي بكهفه، لا يحلم بإدارة كهوف الجيران، ولا بتصدير خوفه على هيئة عقيدة متنقلة، كان الحجر آنذاك أداة نجاة لا مشروع نفوذ، وكانت النار وسيلة دفء لا خطابًا سياسيًا طويلًا يتلو نشيد الخراب كل مساء، لم يكن أحد يملك ترف أن يكون إمبراطورية من ظلال، لأن المسافة بين الجوع والبقاء لم تكن تسمح بكل هذا الخيال الدموي الذي نراه اليوم يتنقل بخفة بين العواصم، وكأن الشرق الأوسط رقعة شطرنج، لا أرواح فيه ولا ذاكرة، مجرد مربعات تُحرّكها يد خفية تدّعي أنها لا تلعب، لكنها دائمًا تربح حين يخسر الجميع.في العصر الحجري، لم تكن هناك إيران تبحث عن نفسها في الآخرين، ولا مشروع يتغذى على تصدير القلق كأنه سلعة استراتيجية، لم يكن أحد يتقن فن زراعة الأزمات خارج حدوده ثم الجلوس بهدوء لقطف نتائجها، كان الصراع بدائيًا، نعم، لكنه كان نزيهًا في فظاعته، حجر مقابل حجر، لا بيانات ولا منابر ولا خطاب يُطرّز العنف بخيوط القداسة، أما اليوم فقد صار الحجر فكرة، والفكرة بندقية، والبندقية تمتد آلاف الكيلومترات دون أن تُرى اليد التي تضغط الزناد، هنا فقط، يصبح العصر الحديث أكثر بدائية من العصر الحجري، لأن البدائي القديم كان صريحًا، بينما البدائي الجديد يرتدي بدلة سياسية ويتحدث بلغة الفلسفة وهو يغرس سكينه في خاصرة الجغرافيا.إيران، في قلب هذا المشهد، تبدو كأنها تحاول أن تُعيد تعريف الكهف، لا باعتباره مأوى، بل باعتباره مركز بث، تُرسل منه إشاراتها إلى كل اتجاه، تُعيد تشكيل المنطقة وفق سردية لا تشبه الأرض التي تُكتب عليها، كأنها لم تكتفِ بأن تكون دولة، بل أرادت أن تكون فكرة تتكاثر خارج حدودها، فكرة تعرف كيف تلبس وجوهًا متعددة، مرة مقاومة، ومرة حماية، ومرة قدرًا تاريخيًا لا مفر منه، لكنها في كل مرة تترك خلفها سؤالًا أثقل من كل الإجابات: لماذا يبدو السلام مستحيلًا كلما اقتربت هذه الفكرة من أرضٍ جديدة؟
في العصر الحجري لم يكن الإنسان يعرف كيف يُخفي يده، ولم يكن بحاجة إلى ذلك، أما اليوم فالأيدي كثيرة، والوجوه أكثر، والضحايا دائمًا بلا أسماء واضحة، فقط أرقام تتكدس في نشرات الأخبار، بينما تستمر اللعبة كأن شيئًا لم يحدث، كأن المنطقة خُلقت لتكون ساحة اختبار لأفكار لا تعيش إلا في الفوضى، وهنا، يصبح الحنين إلى ذلك الزمن البدائي نوعًا من السخرية الفلسفية، ليس لأننا نحب القسوة، بل لأننا سئمنا من هذا التعقيد الذي يُنتج قسوة أكثر أناقة وأشد برودة.
هل العودة إلى العصر الحجري تعني تحطيم المصانع وإطفاء الأنوار؟ أم تعني فقط نزع هذه القدرة العجيبة على تبرير العنف؟ هل تعني أن نتوقف عن اختراع أعداء بعيدين لنبرر قلقنا الداخلي؟ أم تعني ببساطة أن نعود إلى حجمنا الطبيعي، حيث لا أحد يدّعي أنه وصيّ على الجغرافيا ولا وكيل عن السماء؟ هنا، تحديدًا، تكمن السخرية، لأن الدعوة إلى “إعادة إيران إلى العصر الحجري” ليست سوى استعارة حادة، مرآة تُظهر أن المشكلة لم تكن يومًا في الزمن، بل في العقل الذي يصرّ على أن يعيش خارج حدوده، أن يرى نفسه أكبر من مكانه، وأوسع من جغرافيته، وأحقّ من الآخرين بحكاياتهم.في الشرق الأوسط، حيث تختلط الأسطورة بالسياسة، يصبح كل شيء قابلًا للتأويل، حتى الخراب، لكن الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تفسير هي أن كل مشروع يتغذى على التوتر، سيبقى بحاجة إلى مزيد منه ليستمر، وهنا، لا يعود السؤال عن إيران وحدها، بل عن المنطقة كلها، عن هذا الإرث الثقيل من الصراعات التي لا تنتهي لأنها ببساطة لا تريد أن تنتهي، لأن نهايتها تعني سقوط الكثير من الأقنعة.وفي الختام، يبدو العصر الحجري، بكل قسوته، أكثر رحمة من هذا الذكاء الذي تعلّم كيف يُدير الخراب عن بُعد، هناك كان الإنسان يخاف من الطبيعة، أما هنا فصار يخاف من فكرة، فكرة قد تولد في طهران، وتكبر في عاصمة أخرى، وتموت في جسد مدينة لم يكن لها أي ذنب سوى أنها وُجدت في الطريق، وهنا فقط نفهم أن العودة إلى الحجر ليست رجوعًا إلى الوراء، بل ربما محاولة أخيرة للهرب من حاضرٍ أتقن كيف يجعل من الإنسان… كهفًا يسكنه الخوف.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-كمين حزب الله لدبابات إسرائيلية-.. ما حقيقته ...
- زيلينسكي: خبراء أوكرانيون شاركوا في إسقاط مسيّرات إيرانية بع ...
- تقييمات استخباراتية إسرائيلية: القيادة الإيرانية الجديدة أكث ...
- في مواجهة -سياسة العزل- الغربية.. الصين تشيد بـ-النجاحات- ال ...
- عاصفة في الإعلام الأميركي: ميغين كيلي تتهم نتنياهو بالتلاعب ...
- تمرد أم حماية؟ ميلانيا ترامب تهدد مروجي -أكاذيب إبستين-
- بعد فقدان الوزن.. كيف نعيد شباب الوجه ونحد من الترهل؟
- اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران: هل تنجح إيران في جعل لبنان - ...
- إسطنبول.. لائحة اتهام لـ35 إسرائيليا بقضية الاعتداء على -أسط ...
- دروس حرب إيران تصل إلى كوريا الشمالية


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.