أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - قانونٌ بنصف عين.














المزيد.....

قانونٌ بنصف عين.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 14:11
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا يُقاس القانون بميزانٍ واحد، بل يُقاس أحيانًا بمزاجٍ طائفيٍّ دقيق، كأنّه فنجان قهوة يُضاف إليه السكر بحسب هوية الشارب، لا بحسب مرارة الحقيقة. هنا، لا يكون السؤال:ماذا فعلت؟ بل: من أنت؟ ولأي جهةٍ تميل كفّتك حين تهبّ رياح السياسة؟يبدو أن العدالة في هذا البلد العريق قد تعلّمت فنّ “الغمز بعينٍ واحدة”، فتفتحها حين تشاء، وتغمضها حين تشاء، وفق جدولٍ غير مكتوب، لكنه محفوظٌ عن ظهر قلب في دهاليز السلطة. فإذا ما ارتدى الفعل عباءة “الولاء المشروع”، صار فجأةً عملاً بطوليًا، يُبارك، ويُحتفى به، وتُفتح له المقرات، وتُرفع له اللافتات، ويُدعى له بالبركة وكأنه موسم حصادٍ مبارك. أما إذا جاء الفعل ذاته من جهةٍ أخرى،بلباسٍ مختلف، تحوّل إلى جريمة مكتملة الأركان، تستنفر لها القوانين،وتُستخرج لها النصوص من أرشيف الدولة، كأنها كنزٌ مدفون لم يُكتشف إلا عند الحاجة.العجيب في الأمر، أن القانون نفسه لا يتغير، النصوص هي ذاتها، والدستور لم يُكتب بحبرين، لكن التطبيق… آه من التطبيق،فهو كالمطر في صيف العراق، يهطل في حيٍّ ويترك آخر عطِشًا، بلا تفسيرٍ سوى “هكذا شاءت السماء”، أو بالأحرى: هكذا شاءت السياسة.في المشهد العراقي، يمكن لأي مراقبٍ أن يلحظ هذه الازدواجية وهي تمشي على قدمين، تتحدث بثقة، وتُقنع الناس بأنها “الضرورة الوطنية”، أو “خصوصية المرحلة”، أو “حماية المذهب”، وكأن الوطن قد تحوّل إلى مجموعة جزرٍ مذهبية، لكل جزيرة قانونها الخاص،وحدودها النفسية، وخوفها المزمن من الأخرى.فحين تُفتح مقرات لتجنيد المتطوعين تحت عناوين براقة، يُقال إن ذلك “واجبٌ عقائدي”، و”دفاعٌ عن المقدسات”، و”امتدادٌ طبيعي للهوية”، لكن حين يفكر طرفٌ آخر_حتى في الخيال—بفعلٍ مشابه، تُرفع في وجهه كل اللافتات الحمراء: إرهاب،تهديد، خروج عن القانون، زعزعة أمن الدولة. وكأن القانون في العراق يشبه مرآةً سحرية، لا تعكس الحقيقة، بل تعكس ما يريد الناظر أن يراه.المفارقة الساخرة أن الجميع يعرف هذه الحقيقة، يتداولها في المجالس،يتهامس بها في المقاهي، يكتبها في منشوراتٍ خجولة، لكنها تبقى معلّقة في الهواء، بلا قدرةٍ على التغيير، لأن النظام ذاته قد اعتاد هذه الازدواجية حتى صارت جزءًا من بنيته، لا خللًا طارئًا عليه.هنا، لا يصبح الظلم صادمًا، بل مألوفًا. ولا يصبح التناقض فضيحة، بل “وجهة نظر”. بل إن الأخطر من ذلك، أن الناس أنفسهم يبدأون بالتكيّف مع هذه المعادلة المختلّة، فيبحث كل طرفٍ عن مظلوميته الخاصة، لا عن عدالةٍ عامة،وكأن الوطن لم يعد بيتًا مشتركًا،بل فندقًا تتنازع غرفه الهويات.السخرية في العراق ليست ترفًا، بل وسيلة بقاء. لأنك إن حاولت أن تفهم الأمور بعقلٍ جاد، قد تصاب بدوار الحقيقة، أما إذا ضحكت، ولو بمرارة، فإنك على الأقل تحافظ على توازنك في هذا السيرك السياسي الذي تُرفع فيه شعارات القانون بيد، وتُكسر به اليد الأخرى.في النهاية، لا يحتاج العراق إلى قوانين جديدة، بل إلى عينين مفتوحتين… عينين لا تميزان بين مواطنٍ وآخر إلا بقدر ما يلتزم بالقانون،لا بقدر ما ينتمي إليه. لأن القانون الذي يُطبّق بنصف عين، لا يرى الحقيقة كاملة، بل يصنعها على مقاسه،وحينها… لا يكون قانونًا، بل حكاية ساخرة طويلة، بطلها الغائب: العدالة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .


المزيد.....




- الصحة: أوروبا تستقطب الممرضين الإيطاليين قبل التخرج وإيطاليا ...
- ترامب: سنغادر إيران -قريبًا جدًا-.. وروبيو يوجّه انتقادات حا ...
- تقرير يكشف: تهديدات من جهات موالية لإيران سبقت اختطاف الصحفي ...
- أحمد الشرع: كنا قريبين من التطبيع مع إسرائيل.. لكن تل أبيب ت ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال قائد جبهة الجنوب في جماعة حزب ا ...
- كيف دخلنا في عصر -الإفلاس المائي- وهل من مخرج؟
- فرنسا تثير غضب ترامب بعد منع الطائرات المتجهة لإسرائيل والمح ...
- السقف الزمني للحرب على إيران.. اختلاف بين واشنطن وتل أبيب أم ...
- غارة إسرائيلية تستهدف 4 سيارات قرب الضاحية الجنوبية لبيروت و ...
- شهر على الحرب.. شهادات ناجين من القصف الإسرائيلي على لبنان


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - قانونٌ بنصف عين.