أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .














المزيد.....

ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 11:36
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن الحبُّ عنده عاطفةً عابرةً تُشبه زحام المقاهي، بل كان وطنًا يهاجر إليه كلما ضاق به العالم، وكان يرى في قلبه خارطةً لا تقود إلا إليها، امرأةٍ لم تكن امرأةً بقدر ما كانت فكرةً متعاليةً عن النساء، نصًّا مفتوحًا يقرأهُ في كلِّ مرةٍ بدمٍ جديد، ويؤمن أن بعض النساء يُخلقن ليُصدّقهن الرجال، لا ليُفهمن.
كانت كاتبةً، وشاعرةً، وجميلةً كجملةٍ لم تكتمل بعد، تحمل في عينيها ذلك اللمعان الذي يُشبه الحقيقة حين تكذب، وتُشبه الكذبة حين تُتقن قولها. غيرتها لم تكن غيرةً عادية، بل كانت امتدادًا لخوفٍ قديمٍ يسكن في عظامها، خوفٌ من رجلٍ سابقٍ علّمها أن الحب يمكن أن يكون قبضةً، وأن القُرب قد يكون صفعةً، وأن الزواج أحيانًا مجرد سجنٍ مُؤدّب. خرجت منه مطلقةً، لكنها لم تخرج من ظله، فصار كلُّ رجلٍ بعدها مشروعَ متهم، وكلُّ حبٍ احتماليةَ خيانة.
وكان هو… ذلك الرجل الذي لم يتعلم الحذر، الذي أحبّها كما يُحبّ الجاهلُ النار، باندفاعٍ مقدّس، دون أن يسأل عن الرماد. كان يُنفّذ لها كلَّ شيء، لا لأنه ضعيف، بل لأنه كان يرى في الطاعةِ طُهرًا، وفي التضحيةِ يقينًا، وكان يعتقد أن الإقناع الحقيقي للحب لا يكون بالكلمات، بل بالانحناء أمام رغبات من نحب، حتى وإن كانت تلك الرغبات تُقصي وجودنا شيئًا فشيئًا.
هي، في المقابل، كانت تكتب عنه قصائد لا تُشبهه، وتروي عنه حكايات لا تعنيه، وتُتقن لعبة الإيحاء حتى صار يشعر أنه البطل في نصٍّ لا يملكه. كانت تقول بثقةٍ مُتخمةٍ بالغرور: “أستطيع أن أُلاعب الرجال كما أشاء، أخدع ألف رجلٍ بابتسامةٍ واحدة”، وكان يضحك، لا لأنه يُكذّبها، بل لأنه كان يظن أنه الاستثناء الوحيد في تاريخ خيباتها.
لكن الحقيقة لا تحتاج إلى إعلان، فهي تُفصح عن نفسها حين يهدأ الضجيج.
لم يكن يعلم أنه الرجل الألف… الرقم الذي يُكمل سلسلة الخداع، لا يكسرها.
تسللت الخيانة إليه كما يتسلل الليل إلى المدن المتعبة، دون صوت، دون إنذار، فقط ظلالٌ تتكاثر، ورسائل تُخفى، وأعذارٌ تُعاد صياغتها حتى تصير مقنعةً كالكذب القديم. لم تكن تخونه جسدًا فقط، بل كانت تخونه فكرةً، كانت تُعيد تشكيله في ذهنها كواحدٍ من أولئك الذين يسهل خداعهم، رغم أنه كان الوحيد الذي علّمها أن الصدق لا يحتاج إلى حيلة، وأن الشرف ليس كلمةً تُقال، بل ثقلٌ يُحمل في القلب.
وحين اكتشف، لم يصرخ.
الغريب أن الخيانة حين تكون عميقة، تُصيب الإنسان بالصمت، لا بالغضب. نظر إليها كما ينظر المرء إلى نصٍّ كتبه بيده ثم اكتشف أنه مسروق، ابتسم ابتسامةً باردة، وقال:
“لقد علّمتكِ أن تكوني صادقة، فتعلمتِ كيف تخونين بصدق.”
ارتبكت لأول مرة.
كانت معتادةً على رجالٍ ينهارون، يصرخون، يتوسلون، لكنها لم تكن تعرف كيف تواجه رجلاً ينكسر بهدوء، كأنه يُعيد ترتيب نفسه بعيدًا عنها. في تلك اللحظة، شعرت أن لعبتها القديمة لم تعد صالحة، وأن غرورها الذي طالما كان سلاحها، صار عبئًا لا تستطيع حمله.
قالت محاولةً التبرير:
“أنا فقط… لم أتعافَ من الماضي.”
أجابها:
“ومن قال لكِ إن الماضي يُشفى بخداع الحاضر؟”
صمتت، لأن الحقيقة حين تأتي متأخرة، تكون جارحةً أكثر من الكذب.
تركها، لا لأنه توقف عن حبها، بل لأنه أدرك أن الحب الذي يُهان مرة، يُهان دائمًا. خرج من حياتها كما يدخل النور من شقوق الجدران، بهدوءٍ، لكنه يترك أثرًا لا يُمحى.
أما هي، فجلست أمام أوراقها، تحاول أن تكتب، لكن الكلمات خانتها هذه المرة. كلُّ جملةٍ كانت تُذكّرها به، كلُّ استعارةٍ كانت تفضحها، وكلُّ قصيدةٍ كانت تُعيدها إلى تلك اللحظة التي خسرت فيها الرجل الوحيد الذي لم يحاول خداعها.
هناك، فقط، فهمت متأخرةً أن ألف خدعةٍ لا تصنع امرأةً ذكية، بل تصنع امرأةً وحيدة، وأن الرجل الذي يُعلّمكِ الشرف لا يُحتمل أن يُغفر له إن خُنته، لأنه لا يترك خلفه سوى فراغٍ لا يُملأ.
وفي مكانٍ ما، كان هو يبتسم، لا لأنه انتصر، بل لأنه أخيرًا تعلّم أن بعض النساء لا يُحببن، بل يُقرأْن… وحين تُكمل قراءتهن، عليك أن تُغلق الكتاب، حتى لو كان أجمل ما قرأت.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.


المزيد.....




- ناقلة نفط روسية تصل إلى كوبا بعد تصريحات ترامب بأنها دولة -س ...
- الحِنَّاء العربية.. لغة جمال تقليديّة تتواصل مع الأجيال الجد ...
- اشتعال النيران بسيارات في إسرائيل بعد سقوط شظايا صواريخ إيرا ...
- تقارير: العاهل الأردني رفض لقاء نتنياهو قبيل اندلاع حرب إيرا ...
- مقتل 3 من قوات حفظ السلام بجنوب لبنان
- -فضيحة فساد- تحيط بوزير الدفاع الأمريكي.. والبنتاغون ينفي
- زيلينسكي يعلن بناء شراكات أمنية ودفاعية مع دول الخليج
- صور أقمار صناعية تكشف استمرار تحميل النفط في جزيرة خارك
- من التخصيب إلى البلوتونيوم.. كيف تحاول إسرائيل خنق نووي إيرا ...
- حرب المضائق.. إيران تؤجج الصراع وأميركا تحكم الخناق


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .