أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .














المزيد.....

نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 11:39
المحور: قضايا ثقافية
    


في تلك الليلة التي بدت فيها المدينة ككائنٍ يتنفس ببطءٍ تحت وطأة حُمّى قديمة، كنت أسير بين شوارع لا تشبه الطرق بقدر ما تشبه الندوب، وكان الضوء يتساقط من المصابيح كاعترافٍ خافت لا يجرؤ على الاكتمال، حين اعترضني رجلٌ لم يكن واضح الملامح بقدر ما كان واضح التعب، كأن الزمن لم يمرّ عليه مروراً عادياً، بل مرّ عليه كجرافة، تزيل من داخله شيئاً وتترك شيئاً آخر لا يُعرف إن كان بقايا إنسان أم بداية خراب، حيّاني بصوتٍ يحمل من الاحترام ما لا يتناسب مع حاله، فشعرت أن التحية ليست لي بقدر ما هي محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من صورته أمام نفسه.لم يطلب شيئاً محدداً، بل طلب وسيطاً بينه وبين العالم، وكأنه لم يعد قادراً على التعامل المباشر مع هذا الكوكب، كان يبحث عن يدٍ تمتد له دون أن تسأله عن سبب سقوطه، عن مركبةٍ تقله من مكانٍ لا يتذكره إلى مكانٍ لا يعرف إن كان ما يزال ينتمي إليه، وحين حاولت أن أفهم حكايته، لم أجد قصة، بل وجدت شظايا، كل جملة يقولها كانت قطعة من مرآةٍ مكسورة، تعكس وجهاً مختلفاً للوطن، مرةً كمدينةٍ ضائعة، ومرةً كحلمٍ مؤجل، ومرةً كجسدٍ يتآكل من الداخل دون أن يصرخ.كان يتحدث عن الطريق كما لو أنه يتحدث عن مصير، وعن الاتجاه كما لو أنه قرار وجودي، ولم يكن الضياع في خطواته وحدها، بل في يقينه أيضاً، كأن العالم كله أصبح سؤالاً مفتوحاً بلا إجابة، وكل ما حوله يتحرك بلا غاية، حتى الأشخاص الذين يعبرون أمامه بدوا كأنهم ممثلون في مسرحية لا يعرف أحد نصها الحقيقي، وحين توقفت وسيلة نقلٍ قريبة، لم يكن التفاوض على المسافة أو الأجر، بل على ما تبقى من كرامةٍ يحاول أن يحتفظ بها، كأن القيمة لم تعد في النقود بل في الإحساس بأنه لم يُسلب بالكامل.في لحظةٍ ما، التفت نحو موكبٍ عابر، محاطٍ بضجيج الحراسة، يمرّ كما تمرّ الأساطير في كتب الأطفال، لا يُلمس ولا يُناقش، فقط يُشاهد من بعيد، عندها ابتسم ابتسامةً لم أفهمها، كانت خليطاً من السخرية واليقين، وكأن المفارقة بلغت ذروتها:هناك من يُحاط لأنه مهم، وهناك من يُهمَل لأنه صادق، وهناك من يُرفَع لأنه يُتقن اللعبة، وهناك من يُترَك لأنه يرفض أن يلعب، ولم يحتج أن يشرح،فالصمت كان أبلغ من أي خطاب.
كان يحمل داخله نقاشاتٍ كثيرة، لا عن حياته، بل عن المدينة، عن اختناقها، عن مشاريعها المؤجلة، عن أحلامها التي تُرِكت في منتصف الطريق، عن فكرة النظام التي لم تُخلق إلا لتُخترق، وعن العدالة التي لم تعد سوى كلمة تُستخدم في المناسبات، كان يتكلم وكأنه خرج للتو من جلسةٍ فلسفية، لكن جسده كان يقول إنه خرج من معركة، وهذا التناقض لم يكن غريباً، بل كان هو القاعدة في عالمٍ أصبحت فيه الحقيقة تُناقش في المقاهي، وتُدفن في المكاتب.
مرّت لحظة صمت، ثم قال جملةً بدت وكأنها لا تنتمي للسياق، لكنها في الحقيقة كانت قلب الحكاية، قال إن الإنسان قد يخسر الكثير، لكنه يبقى قادراً على التمييز بين ما يُغتفر وما لا يُغتفر، بين ضعفٍ شخصي وخطيئةٍ عامة، بين سقوطٍ فردي وسقوط وطن، وعندها فهمت أن الرجل لا يدافع عن نفسه، بل يضع حدوداً أخلاقية في عالمٍ فقد حدوده، وكأنه يعلن أن الخطايا ليست متساوية، وأن بعض الذنوب، مهما بدت صغيرة، أكثر شرفاً من بعض الفضائل المصطنعة.وحين اقتربت مركبة أخرى، كان صوتٌ خافت ينبعث منها، صوتٌ يحمل طابعاً مقدساً، فتراجع الرجل دون تردد، ليس رفضاً، بل احتراماً، كأن في داخله بقعة نقية لم تصلها الفوضى بعد، بقعة تخجل من أن تختلط بما لا يليق بها، وهنا بدت المفارقة أكثر قسوة: كيف يمكن لمن يبدو ضائعاً أن يحتفظ بهذا القدر من الوعي، بينما من يبدون مستقيمين فقدوا القدرة على الإحساس؟ كيف يمكن للانكسار أن يحمي شيئاً في الداخل، بينما السلطة تفسد كل شيء تلمسه؟.. كان يتحدث عن الألم كما لو أنه مادة يومية، عن الخيبة كما لو أنها رفيق، عن الوطن كما لو أنه كائن حيّ يمرض ولا يُعالج، وقال إن بعض الناس لا يشربون هروباً، بل يشربون لأنهم لا يجدون وسيلة أخرى لتحمّل ما يرونه، وكأن الكأس تتحول إلى لغة، إلى وسيلة ترجمةٍ بين الداخل المشتعل والخارج الصامت، وهنا لم يعد الرجل حالة فردية، بل أصبح نموذجاً،نسخة مصغرة من شعبٍ بأكمله، ومن عالمٍ أكبر، حيث تتكرر الحكاية بأشكالٍ مختلفة، لكن الجوهر واحد: خللٌ عميق في ميزان القيم.
لم يكن المشهد محلياً بقدر ما كان كونياً، فما يحدث في تلك الزاوية من المدينة هو نفسه ما يحدث في عواصم أخرى، بأسماء مختلفة ووجوه مختلفة،حيث تُدار الحياة بمنطقٍ مقلوب، فيُكافأ من يُتقن التلاعب، ويُهمَّش من يتمسك بالصدق، ويُعاد تعريف النجاح ليصبح مرادفاً للقدرة على النجاة بأي ثمن، بينما يتحول الفشل إلى شرفٍ خفي لا يراه أحد.تركتُه أخيراً، لا لأن الحكاية انتهت، بل لأنني لم أعد قادراً على تحمّل وضوحها، كان صوته يتردد خلفي، لا كنداءٍ لشخص، بل كصدى لفكرة، فكرة أن الذين يبدون هامشيين هم في الحقيقة مركز الحكاية، وأن الذين يُحسبون على الهامش هم من يحملون الجوهر، وأن الزمن، مهما بدا منحازاً، لا يملك إلا أن يكشف الحقيقة في لحظةٍ ما، وأن البقاء لا يكون دائماً للأقوى، بل أحياناً للأصدق.وحين ابتعدت، شعرت أنني لم ألتقِ رجلاً، بل التقيت سؤالاً، سؤالاً لم يُطرح بصيغةٍ مباشرة، لكنه ظل معلقاً في الهواء: هل نحن من نعيش داخل الوطن، أم أن الوطن هو من يعيش داخلنا وهو يختنق؟ وهل الذين يبدون ضائعين هم فعلاً كذلك، أم أنهم فقط توقفوا عن الكذب؟.. وفي نهاية الطريق، لم أكن متأكداً إن كان ذلك الرجل قد وجد طريقه، لكنني كنت متأكداً أنني فقدت طمأنينتي، وأن المدينة التي أعرفها لم تعد كما هي، وأن العالم، بكل ما فيه من أنظمة وأقنعة، ليس سوى نسخةٍ أكبر من تلك الليلة، وأن الحقيقة، حين تتجرد، لا تحتاج إلى منبر، بل تحتاج فقط إلى رجلٍ منهك، يقف في منتصف الطريق، ويقول بصوته المكسور ما لا يجرؤ الأقوياء على قوله.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..


المزيد.....




- وسائل إعلام محلية: قاليباف سيقود وفد إيران التفاوضي مع أمريك ...
- من بوشهر إلى طهران.. محطات الطاقة الإيرانية الرئيسية
- روبيو يعلن الإفراج عن الصحفية الأمريكية بعد اختطافها في بغدا ...
- ستارمر في الخليج لبحث استدامة الهدنة الأمريكية-الإيرانية وإع ...
- شركات الشحن ترى فرصا وتطلب وضوحا بشأن إعادة فتح مضيق هرمز
- المعارضة الإسرائيلية تصف الهدنة مع إيران بـ-الفشل الذريع- وت ...
- الدولة اللبنانية تتمسك -بحصرية التفاوض-.. وضغوط لشمول بيروت ...
- إيران: هاجمنا الكويت والإمارات بعد غارات على منشآتنا النفطية ...
- تصريح اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية
- بيان صادر عن الملتقى الوطني لدعم المقاومة وحماية الوطن


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .