أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.














المزيد.....

عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 08:58
المحور: قضايا ثقافية
    


في عالمٍ لم يعد يفرّق بين نشرة الأخبار ومشهدٍ سينمائي، يقف دونالد ترامب ليُعيد تعريف اللغة، لا بوصفها وسيلة تواصل، بل كسلاحٍ موازٍ للصواريخ التي يتحدّث عنها. فالرجل لا يروي وقائع، بل يبني مسرحًا تتقدّم فيه الكلمات كدباباتٍ ناعمة، وتُزرع فيه المخاوف كألغامٍ نفسية، حتى يصبح التهديد أكثر فاعلية من الفعل ذاته، ويغدو التصريح العسكري أقرب إلى صفقةٍ في سوقٍ دولي مفتوح، حيث تُباع الحروب كما تُباع الأسهم، وتُشترى المخاوف بالجملة.حين يقول إن إيران كانت على بعد ثوانٍ من قصف الولايات المتحدة،فهو لا يقدّم حقيقة بقدر ما يصنع إحساسًا بالهاوية، إحساسًا يجعل العالم كلّه يقف على أطراف أعصابه، لأن الخوف حين يُدار بذكاء يصبح أداة حكم، لا مجرد رد فعل. إن هذه اللغة لا تنتمي إلى الدبلوماسية الكلاسيكية، بل إلى مدرسة “الصدمة الوقائية”، حيث يُرعب الخصم قبل أن يُطلق النار، ويُقنع الحلفاء بأنهم نجوا من كارثةٍ لم تحدث،فقط لأن القائد قرر أن يتحدث عنها.وهنا، تتجلى المفارقة الكبرى: فالعالم الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة التوازن، صار اليوم يُدار بمنطق “الاستباق التخييلي”، حيث لا يُعاقَب الفعل، بل تُستبق النوايا، وتُضرب الاحتمالات قبل أن تتحوّل إلى واقع. وكأننا نعيش في زمنٍ تُحاكم فيه الدول على ما قد تفكر به، لا على ما فعلته بالفعل. إن هذا التحوّل ليس مجرد انزلاق سياسي، بل انقلاب فلسفي في مفهوم العدالة الدولية، حيث يصبح الشك دليلًا، والتوقع حكمًا، والخطاب بديلاً عن البرهان.في حديثه عن الصواريخ، لا يتحدث ترامب عن سلاحٍ فحسب، بل عن زمنٍ جديد تُقاس فيه الهيمنة بمدى الوصول، لا بعمق الفكرة.فالصاروخ الذي يعبر القارات لم يعد مجرد أداة حرب، بل رمزٌ لعصرٍ اختُزل فيه النفوذ إلى أرقامٍ هندسية:كم كيلومترًا تستطيع أن تقتل؟ وكم مدينةً يمكنك أن تمحو؟ وهنا، يتحول الإنسان إلى هامشٍ في معادلةٍ عسكرية، ويصبح وجوده مجرد رقمٍ في تقرير أمني.أما حين يشكر حلفاءه—إسرائيل،السعودية، قطر، الإمارات، الكويت، والبحرين—فإنه لا يوزّع الامتنان بقدر ما يرسم خريطة الاصطفاف، خريطة تُقسّم العالم إلى معسكرين: من معنا، ومن سيُعاد تشكيله. إن الامتنان هنا ليس عاطفة،بل إعلان حدود، وتحديد أدوار، وتذكير بأن الحماية ليست مجانية، بل تُدفع أثمانها في السياسة والاقتصاد وربما في السيادة نفسها.وفي تهديده بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، تنكشف اللغة عن وجهها الأكثر بدائية، حيث تتجرّد الحضارة من قشرتها، ويعود الخطاب إلى غريزته الأولى: التدمير كوسيلة إقناع. لكن السخرية المرّة تكمن في أن هذا التهديد يصدر عن عالمٍ يدّعي أنه بلغ ذروة التقدم، وكأن الحداثة لم تكن سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها تاريخًا طويلاً من الرغبة في الإلغاء.غير أن الأخطر من كل ذلك ليس في التصريحات نفسها، بل في ما تخلقه من واقعٍ موازٍ، حيث تبدأ الأسواق بالاهتزاز، وترتجف خرائط الطاقة، وتُعاد حسابات الحروب قبل أن تبدأ. فحين يُقال إن نفط إيران سيُضرب، وأن من يريد النفط عليه أن يشتري من أمريكا، فإن الحرب تتحول إلى مشروع اقتصادي، وتصبح الجغرافيا مجرد مورد، والسيادة مجرد بندٍ في عقد.إننا أمام لحظةٍ تاريخية لا تُشبه الحروب التقليدية، بل تشبه انهيارًا بطيئًا في معنى الحرب نفسها.فالحرب لم تعد مواجهةً بين جيوش، بل صارت شبكةً من التهديدات، والعقوبات، والتصريحات، والتوقعات. إنها حربٌ تبدأ بالكلمة، وقد تنتهي بها، لكن ضحاياها دائمًا حقيقيون.وفي العمق، يمكن قراءة خطاب ترامب كمرآةٍ لعالمٍ فقد ثقته بنفسه، عالمٍ يخاف من احتمالاته أكثر مما يخاف من أعدائه، فيبالغ في ردود فعله، ويضخم أخطاره،ويحوّل كل أزمة إلى حافة نهاية. إنه عالمٌ يعيش في حالة “تأهب دائم”، لا لأنه مهدد فعلًا، بل لأنه لم يعد يعرف كيف يعيش دون تهديد.وهكذا، لا يكون السؤال: هل ستقع الحرب؟ بل: لماذا يحتاج العالم إلى تخيّلها بهذا الشكل المستمر؟ ولماذا صار الخوف شرطًا للاستقرار؟ إن الإجابة ربما تكمن في أن النظام الدولي لم يعد قادرًا على إنتاج الطمأنينة، فصار ينتج الخوف كبديلٍ مؤقت، يضبط به إيقاع الفوضى، حتى لو كان الثمن هو أن يعيش الإنسان على حافة صاروخ… ينتظر أن يتحول الخطاب يومًا إلى حقيقة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...


المزيد.....




- مصادر: محادثات تحضيرية بين سفراء أمريكا ولبنان وإسرائيل الجم ...
- قبل مفاوضات لبنان وإسرائيل: حزب الله يحذّر من -التنازلات الم ...
- ممر استراتيجي نحو أوروبا.. اتفاق ثلاثي بين تركيا والأردن وسو ...
- أرملة حمد العطار -أبو العيون العسلية- الذي قتل في مرفأ بيروت ...
- سيارة ذاتية القيادة تدهس بطة في ولاية تكساس
- الاتحاد الأوروبي يرحب بالمحادثات المباشرة المزمعة بين إسرائي ...
- مع ارتفاع أسعار الطاقة.. كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يصبح أ ...
- هجمات ما بعد -الهدنة الإيرانية-.. تكتيك حزب الله لاسترداد زم ...
- دعوات في الكونغرس للإطاحة بترمب وسط اتهامات خطيرة
- فوق السلطة: هدنة -المنتصرَيْن-.. من يملك الحقيقة في -حرب الس ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.