أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على قدمين.














المزيد.....

عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على قدمين.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 15:31
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الحروب ما نراه من نارٍ فقط، بل ما يُروى عنها بعد أن تنطفئ، فثمة معركة أخرى أكثر دهاءً تُخاض فوق الرماد، معركة الرواية، حيث يتحول الحطام إلى نصرٍ في نشرات الأخبار، وتُلبس الهزيمة ثوب البطولة كأنها عروسٌ خجولة جاءت متأخرة إلى عرسٍ لا يعنيها. هناك، في ذلك الفراغ بين الحقيقة وما يُقال عنها، وُلدت قصة إنقاذ الطيار، لا بوصفها عملية عسكرية فحسب، بل كمرآةٍ عاكسة لفلسفتين متصادمتين: فلسفة ترى الإنسان قيمةً حتى لو كلّف ذلك ميزانيات دول، وأخرى ترى الجموع أرقامًا قابلة للاحتراق في سبيل سرديةٍ هشة.الواقعة، في جوهرها، ليست معقدة كما حاولت الجيوش الإلكترونية أن تجعلها تبدو، فالأمر يبدأ بطائرةٍ تعطلت، وينتهي بعملية إنقاذ ناجحة، لكن ما بين البداية والنهاية، سال حبرٌ أكثر مما سال من وقود الطائرات، وتكاثرت الروايات كما تتكاثر الطحالب في ماءٍ راكد. الولايات المتحدة، التي تتقن فن البراغماتية حتى حد القسوة، لم تتردد في أن تدفع ثمنًا باهظًا—ماديًا وعسكريًا—من أجل استعادة فردٍ واحد، وكأنها تقول، ببرودٍ لا يخلو من فلسفة: “الجندي ليس رقمًا في سجل، بل عقدٌ أخلاقي بين الدولة ومن يحمل سلاحها.”لكن المفارقة التي تستحق التأمل ليست في عملية الإنقاذ بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تم بها تحويل مشهدٍ تقني—تعطل طائرتين وتدميرهما لمنع وقوعهما في أيدي الخصم—إلى ملحمة نصرٍ وهمي، وكأن الحطام الذي تناثر على الأرض قد أنبت فجأة أوسمةً وشعارات. هنا تحديدًا، يبدأ المسرح العبثي، حيث يتقدم الإعلام المؤدلج ليؤدي دوره، لا في نقل الحقيقة، بل في إعادة كتابتها، حيث تُختصر الوقائع إلى مقاطع مبتورة، وتُضخّم التفاصيل التي تخدم السردية، ويُهمل كل ما سواها كما يُهمل الغبار تحت السجاد.في هذا المشهد، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل يصبح: كيف نُريد للناس أن يفهموا ما حدث؟ وهنا تكمن الخطورة، فحين تتحول الحقيقة إلى مادة قابلة للتشكيل، يصبح الجمهور مشروعًا للتدجين، وتتحول الجيوش الإلكترونية إلى مصانع لإنتاج القناعات الجاهزة، تُوزعها كما تُوزع الوجبات السريعة، بلا طعمٍ حقيقي سوى ملح الدعاية الزائد.الأمر لا يخلو من سخرية سوداء، بل من مفارقة تكاد تكون كاريكاتورية: مئات القتلى لا يثيرون ضجيجًا يُذكر، لكن حطام طائرتين يصبح مادةً للاحتفال، وكأن القيمة تُقاس بما يُصوَّر لا بما يُفقد، وكأن الموت الجماعي مجرد هامشٍ صغير في قصةٍ تبحث عن بطلٍ وهمي. وهنا تتكشف الفجوة الأخلاقية بين من يرى الإنسان غاية، ومن يراه وسيلة، بين من ينقذ فردًا مهما كلف، ومن يستهلك الآلاف ليُنتج روايةً مريحة.إنها ليست مجرد حادثة عسكرية، بل درسٌ في فهم طبيعة العصر، حيث الحقيقة لم تعد كافية لتفرض نفسها، بل تحتاج إلى من يدافع عنها، بينما الكذب، بخفة دمه وسرعته، يسبقها بخطوات. وحين تتراكم الأكاذيب، لا تعود مجرد أخطاء، بل تتحول إلى منظومة، إلى “حقيقة بديلة” يعيش فيها أتباعها بطمأنينةٍ غريبة، يهاجمون كل من يشكك فيها، وكأنهم يدافعون عن إيمانٍ مقدس لا عن روايةٍ سياسية.في النهاية، لا يمكن قراءة هذه الحادثة إلا كمرآة مزدوجة: وجهٌ يعكس قيمة الفرد في منظومةٍ تعرف كيف تحافظ على ولاء جنودها، ووجهٌ آخر يكشف هشاشة سردياتٍ لا تصمد إلا بالصوت العالي والتكرار المستمر. وبين الوجهين، يقف المتلقي، إما أن يكون شاهدًا يفكر، أو تابعًا يصفق، ولا شيء أخطر من التصفيق حين يُمنح للكذبة وهي ترتدي قناع النصر.وهكذا، يبقى الحطام حطامًا، مهما أُعيدت تسميته، وتبقى الحقيقة، وإن تأخرت، أكثر صبرًا من الضجيج، وأكثر قدرةً على البقاء من كل الانتصارات المفبركة التي تُولد كبيرة في نشرات الأخبار، وتموت صغيرة في ذاكرة الزمن.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.


المزيد.....




- بعد تهديد ترامب لإيران.. الجيش الأمريكي يعلن عن فحص القاذفة ...
- مباشر: ترمب يهدد بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء في إيران خلال ...
- البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ويعين كباشي مساعدا له في ...
- من يهمس في أذن ترمب؟.. صراع داخل البيت الأبيض لحسم مصير الحر ...
- انفجارات تهز إيران.. وإسرائيل تعلن عن موجة غارات جديدة
- ترامب يهدد بسجن صحفي بسبب -خبر مسرب- بشأن إسقاط المقاتلة
- لواء أميركي متخصص في إطلاق الصواريخ يتجه إلى الشرق الأوسط
- فاقد للوعي وحالته خطيرة.. صحيفة تايمز تكشف تفاصيل وضع مجتبى ...
- من الحشد إلى التنفيذ.. ماذا ينتظر إيران عسكريا بعد مهلة ترمب ...
- مؤرخ بريطاني: حرب ترمب المتهورة ضد إيران تستند إلى لاهوت مضل ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على قدمين.