أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.














المزيد.....

حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 17:04
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الموتُ في حقيقته سوى انطفاء جسد، أما الذين عاشوا وهم يوزّعون الضوء على العالم، فإنهم حين يرحلون يتركون خلفهم أرواحًا معلّقة في تفاصيل الأشياء، كأنهم لم يغادروا، بل تمددوا في الذاكرة أكثر… وهكذا كان رحيل المصور والصحفي سامي أبو رية،ابن مدينة بهرز، ليس خبرًا عابرًا في نشرة، بل كسراً خفياً في مرآة الجمال التي اعتدنا أن نرى من خلالها العراق أكثر نقاءً، وأكثر احتمالًا للحياة.في بهرز، تلك المدينة التي تنام على ضفاف التاريخ وتستيقظ على همسات النخيل،حيث تختلط رائحة الطين بعرق الحروب، ويمتزج وجع السنوات بصلابة أهلها، وُلد سامي، لا كأي ابنٍ عابرٍ لمدينةٍ عراقية، بل كعينٍ مبكّرة أدركت أن العالم لا يُرى كما هو، بل كما يُلتقط… وكأن بهرز، بكل ما فيها من درابين ضيقة وأحلام مؤجلة، قد اختارت عدسته لتقول ما عجزت عنه الحناجر.لم يكن سامي مجرد مصور يحمل كاميرا،بل كان كائنًا يعيش داخل الصورة، يتنفسها، ويمنحها من روحه ما يجعلها تتكلم… كان صامتًا في حضرة الضوء، لكنه الأكثر ضجيجًا حين يُعرض عمله، لأن إبداعه لم يكن يُرى فقط، بل يُحَسّ، يُدهش، ويُربك يقين العين. لقد كان من أولئك الذين يسرقون اللحظة من الزمن، لا ليحتفظوا بها، بل ليعيدوا تعريفها… فيمنحونها خلودًا لا تمنحه الأيام.عمل سامي في أحلك مراحل العراق وأكثرها التباسًا، حين كانت الصورة خطرًا بحد ذاتها، وحين كان التقاط الحقيقة قد يكون آخر ما يفعله الإنسان. ومع ذلك، اختار أن يكون شاهدًا لا شاهِد زور، وأن تكون عدسته منحازة للجمال حتى في قلب الخراب.في عمله مع وكالة الأسيوشيتد برس بين عامي 2003 و2008، لم يكن مجرد ناقل حدث، بل كان مؤرخًا بصريًا لمرحلةٍ دامية، يكتب بالضوء ما تعجز الكلمات عن احتماله.ومنذ بداياته الأولى عام 1996، حين انحاز للطبيعة والحرف الشعبية، كان واضحًا أن هذا الرجل لا يبحث عن الشهرة، بل عن المعنى… عن ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بالأرض، والتفاصيل بالحكاية، والوجع بالأمل. لقد وثّق ديالى كما لم يفعل أحد، لم يلتقط صورها، بل أعاد خلقها، منحها وجهًا يليق بتاريخها، وجعل من مشاريعها، من عمرانها، من ناسها، ذاكرةً حيّة لا تُمحى.لم يكن فنانًا أنانيًا يحتفظ بإبداعه لنفسه، بل كان معلمًا، باعثًا للضوء في عيون الآخرين… درّب، علّم، احتضن المواهب، وأسّس لثقافة الصورة في بيئة كانت تحتاج إلى من يوقظ فيها هذا الحسّ. من خلال الدورات التي أقامها، ومن خلال حضوره في نقابة الصحفيين ومؤسسات الثقافة، ومن خلال برنامجه “العين الثالثة”، كان يزرع في الآخرين قدرةً على الرؤية، لا مجرد التصوير… وهذا أعظم ما يفعله الفنان: أن يخلق فنانين آخرين.لقد لُقّب بشاعر الأحاسيس، ولم يكن ذلك مجاملة، بل توصيفًا دقيقًا لروحه… فالشعر عنده لم يكن كلمات، بل لقطات… ولم تكن الصورة عنده إطارًا، بل قصيدة بلا حروف. كان يرى بعينٍ زجاجية،نعم،لكنه كان يشعر بقلبٍ ماسي، يلتقط الألم كما يلتقط الضوء، ويوازن بينهما ليصنع دهشةً تشبه المعجزة.وحين ننعاه اليوم، فإننا لا نرثي رجلًا فقط، بل نرثي زمنًا كان فيه للفن معنى، وللصورة رسالة، وللمبدع مكانة لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعمق الأثر. نرثي جيلًا آمن أن الجمال يمكن أن يكون مقاومة، وأن الصورة يمكن أن تكون وطنًا، وأن العدسة قد تكون أصدق من كل الخطب.
رحيل سامي أبو رية هو خسارة للساحة الفنية، نعم، لكنه أيضًا اختبار لذاكرتنا… هل سنترك صوره تموت كما مات جسده؟ أم سنمنحها الحياة التي أرادها لها؟ هل سنفهم أن الفنان لا يُكرَّم بالبكاء عليه، بل بالاستمرار فيما بدأه؟
أيها الراحل بهدوء الضوء… يا من جعلت للصمت لغة، وللجمال وطنًا، وللعدسة قلبًا ينبض… نم قرير العين، فقد تركت ما يكفي لتبقى، وما يكفي لنفتقدك طويلًا.اللهم اغفر له وارحمه، وتجاوز عن سيئاته، واجعل ما قدمه من جمالٍ شاهدًا له لا عليه، واجعل صوره نورًا يرافقه في عتمة القبر، كما كانت نورًا لنا في عتمة الحياة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .


المزيد.....




- -ميلودي-.. مودي يهدي ميلوني حلوى تجمع اسمي عائلتيهما
- غروسي يتحدث لـCNN عن مخاطر الهجوم على محطة براكة في الإمارات ...
- كيف حصدت فرق أرسنال والزمالك والإفريقي ألقاب الدوري هذا العا ...
- لودريان يحذّر: لبنان أمام خطر يهدد وحدته وسلامة أراضيه
- الكويت تحيل عناصر -تابعة للحرس الثوري- للمحاكمة بتهمة التسلل ...
- مريض أمريكي في برلين.. هل يوقف درع ألمانيا الصحي زحف إيبولا؟ ...
- طهران تدرس المقترح الأمريكي الأخير وتعلن أن نطاق سيطرتها على ...
- حركة الاحتجاجات مستمرة دون أي مؤشرات على التراجع في بوليفيا. ...
- -أنتَ من جعله ضحية-: سعد لمجرد والجمهور الذي صنع منه بطلاً
- تركيا: الإفراج المشروط عن صحافي دويتشه فيله المتهم بإهانة ال ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.