أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها الأخير. ..














المزيد.....

السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها الأخير. ..


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 13:49
المحور: قضايا ثقافية
    


في الحروب، لا تسقط الدول حين تُهزم، بل حين تصدّق روايتها عن النصر أكثر من اللازم. هناك، في تلك المسافة الغامضة بين الحقيقة والدعاية، تبدأ الإمبراطوريات بكتابة مراثيها دون أن تدري، وتتحول الجيوش إلى صدى، والأنظمة إلى مسرحيات تُعرض على جمهورٍ لم يعد يصفق، بل يراقب بصمتٍ بارد كأنه ينتظر لحظة الانطفاء.ما يُروى اليوم عن إيران، ليس حدثًا عسكريًا معزولًا، بل مشهدًا من مسرحٍ أكبر، مسرح تتقاطع فيه الخديعة مع الغرور، وتُختبر فيه الأنظمة لا بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على الفهم. والفهم هنا هو أخطر سلاح، لأنه حين يغيب، تتحول كل قوة إلى وهم، وكل رد فعل إلى دليل إدانة.حين تتحدث تقارير من مؤسسات إعلامية كبرى مثل CNN عن عملية خداع معقدة، فإننا لا نقف أمام خبر، بل أمام نمطٍ كامل من الحروب الحديثة، حيث لا تُطلق الرصاصة أولًا، بل تُطلق الفكرة، ولا يُستهدف الجسد، بل يُستهدف الإدراك. الطائرة التي قيل إنها سقطت، والتي يُقال إنها كانت نسخة مُعدّلة من F-15 Eagle، لم تكن مجرد حطامٍ في صحراء، بل كانت سؤالًا مُلغّمًا وُضع في عمق العقل العسكري الإيراني: هل تعرفون ما يحدث فعلًا؟.. وهنا تبدأ المأساة، ليس في السقوط، بل في التأخر عن إدراكه. فالنظام الذي يُفاجأ بما يحدث داخل مجاله السيادي، لا يخسر معركة، بل يخسر تعريفه لنفسه. كيف يمكن لدولة تتحدث عن ملايين المقاتلين الجاهزين، أن لا ترصد عملية إنزال، أو حركة استخباراتية، أو حتى تسلسل الأحداث كما جرت؟ كيف يتحول الضجيج الإلكتروني إلى بديل عن الرؤية؟ وكيف تصبح المنصات الرقمية جبهةً تعويضية لنقصٍ في الواقع؟.. إن الحروب الحديثة، كما يبدو، لم تعد تُدار بالسلاح فقط، بل بإعادة تشكيل وعي الخصم. يُدفع الطرف الآخر إلى التصرف، لا لأنه يريد، بل لأنه لا يملك تفسيرًا لما يجري. وهنا، يصبح كل رد فعل جزءًا من الخطة التي وُضعت له. تُستفز الدفاعات الجوية، تُكشف الرادارات، تُرصد الاتصالات، ويُسجل الزمن الحقيقي لكل ارتباك، وكأن الدولة كلها تحولت إلى تجربة مخبرية تُراقب تحت عدسة باردة... وإذا صحت هذه الروايات، فإن ما جرى ليس مجرد اختراق، بل تعرية كاملة. تعرية لنظامٍ يصرخ في الخارج، بينما يتلعثم في الداخل. نظامٌ يرفع شعارات السيطرة، لكنه لا يسيطر على تفسير ما يحدث له. وهذه هي اللحظة الأخطر في تاريخ أي سلطة: حين تفقد قدرتها على الفهم، لا على الرد.
ثم تأتي الضربات، لا كحدث مفاجئ، بل كنتيجة منطقية. الحديث عن هجمات مشتركة على مناطق مثل عبادان، وما رُصد من أطراف مجاورة، يفتح بابًا آخر من الأسئلة: هل كانت تلك الضربات اختبارًا؟ أم رسالة؟ أم مجرد خطوة في سلسلة أكبر؟ في الحروب، لا توجد أفعال معزولة، كل شيء متصل بخيطٍ غير مرئي، وكل حدث هو تمهيد لما بعده.السخرية هنا ليست في الحدث، بل في رد الفعل. فالنظام الذي يُسارع إلى إعلان الانتصار قبل أن يفهم ما حدث، يشبه رجلًا يصفق لنفسه في غرفة فارغة، بينما الجدران من حوله تُعاد هندستها دون أن يشعر. إنه لا يكذب على العالم فقط، بل يبدأ بتصديق كذبته، وهنا تتحول الدعاية إلى مرض، والإنكار إلى استراتيجية، والغفلة إلى قدر.إن فكرة “السقوط الإيراني” ليست نبوءة، بل قراءة لمسار. فالدول لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء، من الداخل أولًا. تبدأ بفقدان الثقة بين مؤسساتها، ثم تفقد القدرة على قراءة خصومها، ثم تتحول إلى كيانٍ ردود أفعال، لا أفعال. وحين تصل إلى هذه المرحلة، يصبح أي اختبار خارجي كفيلًا بكشف كل ما حاولت إخفاءه.ما جرى، إن صح، هو تمرين على السقوط. ليس سقوطًا عسكريًا مباشرًا، بل سقوط في الفهم، في التقدير، في القدرة على استيعاب طبيعة الحرب الجديدة. وهذه الحروب لا تُكسب بالصواريخ فقط، بل بالعقول التي تعرف متى تُخدع، ومتى تكون هي الخادعة.ولعل الحقيقة الأكثر قسوة، أن الأنظمة لا تُهزم حين يهاجمها الآخرون، بل حين تعجز عن رؤية نفسها كما هي. حين ترفض الاعتراف بضعفها، فتُضخم وهم قوتها، حتى يصبح هذا الوهم أثقل من أن تحمله. عندها، لا تحتاج إلى عدوٍ كبير، بل إلى خطأٍ صغير يكشف كل شيء.إن من ينام على وسادة الدعاية، يستيقظ على أرض الحقيقة.والحقيقة، كما يبدو، لا تُعلن نفسها دفعة واحدة، بل تتسرب، بهدوء، عبر أحداثٍ تبدو صغيرة، لكنها تحمل في داخلها كل ما يلزم لإعادة تعريف القوة والضعف.وهنا، لا يعود السؤال: هل ستسقط إيران؟ بل: هل أدركت أنها بدأت بالفعل رحلة السقوط؟ لأن الفرق بين الدولة التي تقاتل، والدولة التي تتوهم أنها انتصرت، هو أن الأولى قد تخسر وتتعلم، أما الثانية، فإنها تخسر ولا تفهم… وتلك، بداية النهاية التي لا رجعة منها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-كمين حزب الله لدبابات إسرائيلية-.. ما حقيقته ...
- زيلينسكي: خبراء أوكرانيون شاركوا في إسقاط مسيّرات إيرانية بع ...
- تقييمات استخباراتية إسرائيلية: القيادة الإيرانية الجديدة أكث ...
- في مواجهة -سياسة العزل- الغربية.. الصين تشيد بـ-النجاحات- ال ...
- عاصفة في الإعلام الأميركي: ميغين كيلي تتهم نتنياهو بالتلاعب ...
- تمرد أم حماية؟ ميلانيا ترامب تهدد مروجي -أكاذيب إبستين-
- بعد فقدان الوزن.. كيف نعيد شباب الوجه ونحد من الترهل؟
- اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران: هل تنجح إيران في جعل لبنان - ...
- إسطنبول.. لائحة اتهام لـ35 إسرائيليا بقضية الاعتداء على -أسط ...
- دروس حرب إيران تصل إلى كوريا الشمالية


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها الأخير. ..