أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.














المزيد.....

عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 08:27
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس كلُّ إعلانٍ سياسيٍّ يُقاسُ بما يُقال فيه، بل بما يُخفيه بين سطور الخرائط، وما يرسمه من مصائر فوق جلد الجغرافيا المتعبة، فحين يخرج الرئيس الأمريكي ليعلن رسميًا عن بدء مشروع “الخط الأحمر”، فإن الأمر لا يبدو مجرد فكرة اقتصادية عابرة، بل أقرب إلى إعادة كتابةٍ هادئةٍ لمعادلة العالم، حيث تتحول الطرق إلى قرارات، والموانئ إلى مفاتيح، والبلدان إلى معابر قدرٍ لا يمكن الفرار منه، وكأن الجغرافيا نفسها قد قررت أن تعتذر للتاريخ عن تأخرها في أداء دورها.إن فكرة تحويل خط التجارة العالمية من مضيق هرمز إلى الداخل البري عبر سوريا ليست مجرد تغيير في المسار، بل هي محاولة لنزع الهيمنة من عنق البحر وإلباسها لليابسة، فالطرق البحرية لطالما كانت رهينة المزاج العسكري، عرضةً لارتعاشات السياسة، وأقرب إلى حبالٍ مشدودة بين احتمالات الحرب والسلام، أما البر، فهو بطبيعته أكثر عنادًا، أكثر ثباتًا، وأكثر قابلية لأن يتحول إلى شريان دائم لا يخضع بسهولة لنوبات التوتر العابرة.في هذا التحول، لا تبدو سوريا مجرد محطة عبور، بل مرآةً لقدرٍ طال انتظاره، إذ إن البلاد التي أنهكتها الحروب وأثقلتها السنوات، قد تجد نفسها فجأة في قلب لعبة كبرى، حيث تتحول من ساحة صراع إلى ساحة مصالح، ومن جغرافيا مستهلكة إلى جغرافيا مُستثمرة، وكأن العالم، بعد أن أنهى فصول الخراب، قرر أن يكتب هامشًا صغيرًا من التعويض، ولو بدافع الأنانية الاقتصادية لا الرحمة السياسية.المفارقة الساخرة أن القوى التي كانت تتصارع على النفوذ فوق الأرض السورية، قد تجد نفسها مضطرةً اليوم إلى حماية هذه الأرض نفسها، لا حبًا بها، بل حفاظًا على أنابيب التجارة التي ستمر فيها، فالمصالح حين تتجسد في طرقٍ وأسلاكٍ وممرات، تتحول إلى كائنٍ حيٍّ يحتاج إلى الحراسة، وهنا يصبح الأمن ليس قيمة أخلاقية، بل ضرورة اقتصادية، وتصبح السيادة مفهومًا يُعاد تعريفه وفقًا لحركة الشاحنات لا خطب السياسيين.ولعل أكثر ما يثير التأمل أن هذا المشروع، الذي يُفترض أنه اقتصادي، يحمل في داخله بذور إعادة تشكيل التوازنات الدولية، فحين يتراجع دور المضائق البحرية، تتراجع معها أوراق الضغط التقليدية، وتُعاد صياغة مراكز القوة، فالدول التي كانت تتحكم بالممرات المائية قد تجد نفسها خارج اللعبة جزئيًا، بينما تتقدم دول البر إلى الواجهة، حاملةً معها خرائط جديدة للنفوذ، لا تُرسم بالأساطيل، بل بالإسفلت والسكك الحديدية.إن ما يحدث ليس مجرد نقلٍ للبضائع، بل نقلٌ لمفهوم السيطرة ذاته، من الماء الذي يُحاصر، إلى الأرض التي تُخترق، ومن السفينة التي تُراقب، إلى القافلة التي تعبر بصمتٍ تحت أنظار الجميع، دون أن يملك أحد القدرة الكاملة على إيقافها، وكأن العالم، بعد قرونٍ من الرهان على البحر، قرر أن يمنح اليابسة فرصةً لتقول كلمتها الأخيرة.غير أن السؤال الذي يتسلل بخبثٍ بين هذه التحولات هو: هل تتحول سوريا فعلاً إلى بوابةٍ للتجارة العالمية، أم إلى ممرٍّ جديدٍ للصراعات المؤجلة؟ فالتاريخ لا يمنح هداياه مجانًا، وكل طريقٍ تجاريٍّ كبير يحمل في طياته احتمالات الازدهار كما يحمل احتمالات التنافس، بل وربما الصدام، لأن من يمر عبرك اليوم طلبًا للربح، قد يعود غدًا طلبًا للهيمنة.
ومع ذلك، يبقى في هذا المشهد شيءٌ من العدالة المتأخرة، أو ربما من السخرية الثقيلة، إذ أن البلاد التي عانت من العزلة، تُدفع الآن إلى قلب الاتصال العالمي، وكأنها تُجبر على أن تكون جسرًا، لا خيارًا، وعلى أن تتحمل عبور العالم فوقها، بكل ما يحمله هذا العبور من وعودٍ ومخاطر، من ازدهارٍ محتمل وقلقٍ دائم.في النهاية، لا يمكن النظر إلى “الخط الأحمر” بوصفه مجرد مشروع، بل باعتباره لحظة انعطافٍ في فهم العالم لنفسه، لحظة يدرك فيها أن الطرق ليست مجرد وسائل، بل قرارات وجودية تحدد من يمر ومن يُهمَّش، من يربح ومن ينتظر على الهامش، وأن الجغرافيا، مهما بدت صامتة، تملك دائمًا القدرة على قلب المعادلات حين يحين وقتها.وهكذا، قد لا يكون الخط الأحمر مجرد خط، بل بداية لسؤالٍ طويل: هل نحن أمام ولادة طريقٍ جديدٍ للعالم، أم أمام إعادة تدويرٍ ذكيةٍ لصراعاته القديمة بثوبٍ اقتصادي أنيق؟ في الحالتين، سيبقى الطريق مفتوحًا، لكن الوجهة… لا تزال قيد التفاوض.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.


المزيد.....




- فاقد للوعي وحالته خطيرة.. صحيفة تايمز تكشف تفاصيل وضع مجتبى ...
- من الحشد إلى التنفيذ.. ماذا ينتظر إيران عسكريا بعد مهلة ترمب ...
- مؤرخ بريطاني: حرب ترمب المتهورة ضد إيران تستند إلى لاهوت مضل ...
- مفاوضات اللحظة الأخيرة.. مقترح إيراني وتشكيك إسرائيلي قبل ان ...
- إسرائيل تتهم 4 من جنودها بالتجسس لصالح إيران
- بعد استعادته من إيران.. هل هذه أول صورة للطيار الأمريكي الثا ...
- تعرّف على مشروع اتفاق إسلام آباد لإنهاء حرب إيران
- محمد باقر ذو القدر.. مهندس الدولة الأمنية الإيرانية في مواجه ...
- نتنياهو غاضب من تصريحات جنرال إسرائيلي حول قوة حزب الله
- السعودية.. سقوط حطام صواريخ في محيط منشآت للطاقة


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.