أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.














المزيد.....

بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 18:19
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الكارثة في الحكاية التي تُروى، ولا في الواقعة التي قد تكون حدثت أو لم تحدث، بل في المعنى الذي يجعلها ممكنة، وفي المناخ الذي يسمح لها أن تُتداول كأمرٍ عادي، لا يثير الدهشة بقدر ما يوقظ في القلب ألمًا قديمًا، كأن بغداد نفسها تتنهد من تحت الركام وتقول: كيف صار هذا ممكناً؟.. حين يصل وطنٌ إلى مرحلةٍ يصبح فيها الإهانة احتمالًا مقبولًا، لا تعود المسألة حادثةً عابرة، بل تتحول إلى مرآةٍ تعكس ما تراكم في الروح الوطنية من انكسارٍ طويل. فالأوطان لا تُهان فجأة، بل تُستنزف تدريجيًا، حتى تفقد حساسيتها تجاه الكرامة، كما يفقد الجسد إحساسه بالألم بعد نزفٍ طويل.بغداد، التي كانت يومًا تُخاطب السحاب كندٍّ له، لم تكن مدينةً عادية، بل كانت فكرةً عن العلو، عن القدرة على أن يكون الإنسان أكبر من ظرفه، وأسمى من محيطه. كانت مركزًا لا يُقاس بالحدود، بل بالهيبة التي تُشعر الآخرين بأن الاقتراب منها يحتاج إلى احترام، لا إلى جرأة. لكن المدن،مثل البشر، حين تفقد ذاكرتها، تصبح قابلة لأن تُختزل إلى ساحةٍ للصغار، يتصارعون فيها على فتات النفوذ، بينما تضيع المعاني الكبيرة في الزحام.ليس السؤال: هل قال سفير ما قيل أم لم يقل؟ بل السؤال الأعمق: لماذا أصبح من السهل تصديق ذلك؟ لماذا لم يعد الأمر يبدو مستحيلاً؟ هنا تكمن الفاجعة الحقيقية.الذل لا يبدأ حين تُهان، بل يبدأ حين تقبل شروطًا تجعلك قابلًا للإهانة. حين تتخلى عن استقلالك تدريجيًا، لا لأنك أُجبرت، بل لأنك وجدت في التبعية مخرجًا سهلاً من مسؤولية القرار. عندها، تتحول السيادة من حقيقة إلى شعار، ومن قيمة إلى ديكور يُرفع في المناسبات ويُنسى في اللحظات الحاسمة.ما يحدث اليوم ليس صراع نفوذ بقدر ما هو أزمة معنى. فحين تُختزل الدولة إلى أدوارٍ ثانوية، وتُدار قراراتها خارج إرادتها، يصبح من الطبيعي أن يتجرأ الآخرون على حدودها، لا لأنهم أقوياء فقط، بل لأنهم لا يجدون أمامهم ما يردعهم.الأمم لا تُحترم لأنها تطلب الاحترام، بل لأنها تفرضه بسلوكها، بثباتها، باستقلالها. أما حين تتعدد الولاءات داخل الجسد الواحد، وتتنازع المرجعيات على القرار، فإن النتيجة الحتمية هي هذا التآكل البطيء الذي لا يُرى دفعةً واحدة، لكنه يظهر فجأةً في صورة حادثةٍ صادمة، أو عبارةٍ جارحة، أو موقفٍ مهين.بغداد اليوم ليست مدينةً سقطت، بل مدينة أُرهقت من كثرة من يتحدث باسمها دون أن يحمل روحها. أُثقلت بخطاباتٍ لا تشبه تاريخها، وبممارساتٍ لا تليق بمقامها. وكأنها تُجبر كل يوم على أن تعتذر عن عظمتها القديمة، بدل أن تستعيدها.
التهكم هنا ليس سخريةً من أشخاص، بل من واقعٍ أصبح فيه الكبير صغيرًا، والصغير متضخمًا، والمعاني مقلوبة. تهكمٌ من زمنٍ صار فيه من يتحدث باسم السيادة يوقع عليها في الخفاء، ومن يرفع شعارات الكرامة يقايضها في اللحظة نفسها.المدن لا تموت حين تُهزم، بل حين تفقد قدرتها على أن تغضب. والغضب هنا ليس انفعالًا، بل وعيٌ بأن ما يحدث غير طبيعي، وغير مقبول، وغير قابل للاستمرار.بغداد لا تحتاج إلى من يبكي عليها، بل إلى من يعيد تعريفها، من يحررها من هذا التشظي، من يعيد لها صوتها الذي كان يُسمع من دون أن يعلو. تحتاج إلى أن تستعيد نفسها من الذين حولوها إلى ظلٍّ لقراراتٍ لا تُصنع فيها.في النهاية، ليست المأساة في أن تُهان مدينة، بل في أن يتعود أهلها على الإهانة. لأن اللحظة التي يصبح فيها الذل مألوفًا، هي اللحظة التي يبدأ فيها السقوط الحقيقي… سقوط المعنى، لا الجدران.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .


المزيد.....




- ترامب: أمريكا بدأت -تطهير- مضيق هرمز خدمة لدول لا تملك إرادة ...
- مصادر إيرانية لـCNN: مباحثات طهران مع أمريكا تجري وجها لوجه ...
- خطاب ميلانيا ترامب يعيد أزمة إبستين إلى الواجهة
- ما هي النقاط الخلافية الخمس الكبرى في المحادثات بين الولايات ...
- انطلاق المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان
- من هما الراهبتان المبشرتان اللتان قُتلتا في الجزائر واللتان ...
- لبنان: عشرة قتلى بغارات في الجنوب وحزب الله يندد بمفاوضات في ...
- الدبلوماسية بمظلة عسكرية.. رسائل التهديد المتبادلة تسبق الوف ...
- من الوقود إلى الطعام والملابس.. ارتفاع تكاليف المعيشة رغم وق ...
- وجها لوجه.. بدء المحادثات الثلاثية بين إيران والولايات المتح ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.