أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.














المزيد.....

بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 11:45
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تكن بغداد يومًا مدينةً تُقاس بسقوط جدرانها، ولا تُختزل بحكاية احتلالٍ عابر، فهي ليست حجارةً تُهدم، بل روحٌ عصيّة على الانكسار، ومزاجٌ تاريخيّ لا يركع إلا لنبضه. المدن العادية تُحتلّ حين تُكسر أبوابها، أمّا بغداد فلا تُحتلّ إلا حين يُفتح لها الباب من الداخل، حين يُصافحها الغدر بيدٍ ترتجف، لكنها لا ترتجف خجلًا بل طمعًا.بغداد لم تسقط… هذه ليست عبارة إنشائية، بل حقيقة فلسفية مريرة. السقوط يفترض مقاومةً انتهت، بينما ما جرى كان استبدالًا للمعنى، لا هزيمةً في الميدان.كان أشبه بعملية نقلٍ للمدينة من ضميرها إلى جيوب الطارئين عليها، من تاريخها إلى أرشيف السماسرة. لم تُهزم بغداد، بل خُفِّضت قيمتها في سوق النخاسة السياسية، وبيعت على دفعات، لا في مزادٍ علني، بل في غرفٍ مظلمة تُدار بوجوهٍ تعرف كيف تُقنّع الخيانة باسم الحكمة.وحين دخل الغزاة، لم يدخلوا وحدهم… كانت الأبواب مفتوحةً بانتظارهم، لا تُكسر بل تُزاح برفق، كأن المدينة تُسلّم مفاتيحها لمن لا يعرف معنى المفتاح. هنا تبدأ المفارقة: الغريب لا يستطيع أن يُسقط مدينةً إن لم يجد فيها من يُسقط نفسه أولًا. فالسقوط الحقيقي ليس في دخول الدبابات، بل في خروج الكرامة من صدور أهلها، في لحظةٍ يفضّل فيها البعض النجاة الفردية على الشرف الجماعي، ويستبدل الوطن بوظيفة، والتاريخ بصفقة.بغداد التي كانت تُنجب العلماء، صارت تُنتج المبرّرات. والتي كانت تُدرّس العالم، صارت تُدرّب الخطباء على فنّ تبرير الخراب. كل شيء تغيّر إلا الألم، فهو الشيء الوحيد الذي بقي أصيلًا، بلا تزوير، بلا شعارات، بلا تمويل خارجي.ولأن السخرية أصدق من الرثاء أحيانًا، يمكن القول إن أكبر إنجازٍ تحقق بعد كل ذلك هو أن اللصوص أصبحوا يُسرقون وهم يرتدون رداء القداسة، وأن الفساد لم يعد خجلًا بل أصبح خطبةً سياسية، وأن الخيانة لم تعد تُخفى بل تُسوّق باعتبارها ضرورة وطنية. يا له من تطورٍ مذهل… أن تُنهب مدينةٌ باسم الدفاع عنها، وأن يُقتل أبناؤها باسم حمايتهم، وأن تُهدم مؤسساتها باسم إعادة بنائها.بغداد لم تسقط، لأن السقوط لحظة، بينما ما تعيشه هو حالة مستمرة من الاستنزاف، أشبه بنزيفٍ بطيء لا يُقتل الجسد فورًا، بل يُبقيه حيًا ليتألم أكثر. السقوط ينتهي، أما هذا فمستمر، يُعاد إنتاجه كل يوم، بأسماء جديدة، بوجوهٍ مختلفة، لكن بالعقلية ذاتها: عقلية التاجر الذي يرى في الوطن صفقة، وفي الدماء رقمًا قابلًا للتفاوض.وما بين الأمس واليوم، لا يتكرر التاريخ كما يُقال، بل يُعاد تمثيله، مع تغيير طفيف في الأزياء فقط. الذرائع تتبدل، أما النوايا فثابتة. مرةً باسم التحرير، ومرةً باسم الحماية، ومرةً باسم العقيدة، ومرةً باسم المصالح… لكن النتيجة واحدة: بغداد تُنهب، والعراق يُستنزف، والإنسان يُختزل إلى رقمٍ في نشرة أخبار.
ومع ذلك، تبقى بغداد أكبر من كل هذا. ليست لأنها لم تتألم، بل لأنها لم تفقد قدرتها على الحلم. المدن العظيمة لا تموت، بل تُصاب بأمراضٍ طويلة، لكنها تظل قادرة على التعافي حين تجد من يعيد إليها معناها، لا من يعيد احتلالها.
بغداد لم تسقط… لأن السقوط شرفٌ لا يُمنح للخونة، بل يُمنح لمن قاتل حتى النهاية. أما الذين دخلوها، فلم يدخلوا منتصرين، بل دخلوا مثقلين بثقل تاريخٍ لن يغفر لهم، ولا لِمن فتح لهم الأبواب.
وهكذا، يبقى السؤال معلقًا فوق دجلة، لا يبحث عن إجابة بقدر ما يفضح الصمت:هل كانت بغداد بحاجة إلى عدو… أم كانت مصيبتها أنها وثقت بأبنائها أكثر مما ينبغي؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب


المزيد.....




- مسؤولون أمريكيون يكشفون عن خلافات وراء تأخير الاتفاق مع إيرا ...
- ثمانية قتلى في ضربات روسية أوكرانية متبادلة.. وموسكو تحذر ال ...
- نور يشق عتمة الأزمات.. استئناف عمليات زراعة القرنية في غزة
- بين الغموض والتناقض.. -فخاخ- تهدد الاتفاق المنتظر بين واشنطن ...
- كولاجين مع القهوة أو الماتشا.. هل ينجح حقا في محاربة علامات ...
- هارتس : كيف تدفع إسرائيل قطاع غزة نحو الفوضى؟
- شهيدتان و20 مصابا.. مجزرة إسرائيلية جديدة بمخيم للنازحين في ...
- تحت احتلال جديد.. كيف تفاعل اللبنانيون مع الذكرى الـ26 لتحري ...
- هل ينبغي على زوار ديزني لاند القلق بشأن تسرب مواد سامة؟
- بعد تكتم طويل.. إيران تكشف تفاصيل إصابة مجتبى خامنئي في اليو ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.