أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مرآة المعايير المكسورة .














المزيد.....

مرآة المعايير المكسورة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 13:56
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا العالم الذي يتقن ارتداء الأقنعة أكثر مما يتقن قول الحقيقة، لا يعود التناقض حادثة عابرة، بل يتحول إلى نظام أخلاقي قائم بذاته، إلى فلسفة غير مكتوبة يتوارثها الناس كما يتوارثون الخوف. هناك، حيث تختلط القيم بالمصالح، يصبح الإنسان قادراً على أن يكون خصماً وقاضياً وشاهداً في آنٍ واحد، دون أن يشعر بثقل هذا التمزق الداخلي، وكأن الضمير نفسه قد تعلّم فن التكيف مع الكذب.ليست المشكلة في أن يخطئ الإنسان، فالخطأ جزء من هشاشتنا الجميلة، بل في أن يتحول الخطأ إلى منصة وعظ، وأن يصبح الماضي الذي لم يُراجع سُلّماً للصعود الأخلاقي الزائف. هنا تحديداً تبدأ المأساة، حين يُعاد تدوير التجربة لا بوصفها درساً، بل بوصفها أداة إدانة للآخرين، وكأن التاريخ يُمحى بمجرد تغيير النبرة، أو تبديل الكلمات.إن أشد أشكال الازدواجية قسوةً هو ذلك الذي يلبس ثوب الفضيلة، فيدين الآخرين بما هو متجذر فيه، ويُحاكمهم على تفاصيل عاشها، بل ربما صنعها بيديه. هذه الحالة ليست مجرد تناقض سلوكي، بل هي انشطار في الوعي، حيث ينفصل الإنسان عن ذاته القديمة دون أن يواجهها، فيبدأ بمحاكمتها عبر الآخرين، لا عبر الاعتراف.ولأن الذاكرة الجمعية لا تنسى، فإن كل محاولة للقفز فوقها تتحول إلى مشهد عبثي، أشبه بمن يحاول إخفاء ظله تحت قدميه. فالعلاقات، والوقائع، والوقوف في ساحات السلطة، ليست أوراقاً يمكن تمزيقها، بل هي جزء من تكوين الإنسان، من صوته، من طريقته في النظر إلى العالم. ومن الغريب أن البعض يظن أن بوسعه أن يعيد كتابة تاريخه من خلال إنكار الآخرين، لا من خلال فهم ذاته.
ثم تأتي المفارقة الأكثر إيلاماً، حين يتحول الحكم الأخلاقي إلى سلاح يُشهر في وجه من لا يستطيع الدفاع عن نفسه، حين يُستدعى الغائب ليُدان، لا لشيء إلا لأنه لا يملك فرصة الرد. هنا، لا يكون الأمر مجرد رأي، بل سقوطاً في امتحان الإنسانية، لأن الكرامة لا تُختبر في حضور الأقوياء، بل في غياب الضعفاء.إن الطعن في سمعة من رحلوا ليس شجاعة، بل هو شكل من أشكال الإفلاس الأخلاقي، حيث يبحث الإنسان عن انتصار سهل، خالٍ من أي مقاومة. وكأن البعض لا يجد ذاته إلا حين يقف فوق صمت الآخرين، أو يقتات على غيابهم. إنها لحظة يتجلى فيها العجز في أبهى صوره، متنكراً في هيئة قوة.
وفي عمق هذا المشهد، يبرز سؤال لا يجيب عنه أحد: هل نحن حقاً نبحث عن الحقيقة، أم عن تبرير ذواتنا؟ هل ننتقد الآخرين لأننا نؤمن بمعايير ثابتة، أم لأننا نحتاج إلى إخفاء تناقضاتنا خلف ضجيج الاتهام؟ الحقيقة أن الإنسان، حين يعجز عن مصالحة ماضيه، يتحول إلى ناقد شرس للحاضر، لا بدافع الإصلاح، بل بدافع الهروب.إن الفلسفة الحقيقية للأخلاق لا تقوم على ادعاء النقاء، بل على الاعتراف بالنقص، ولا على إدانة الآخرين، بل على فهم السياق الذي صنعهم. أما حين تتحول الأخلاق إلى أداة انتقائية، تُستخدم حسب المزاج والظرف، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى مجرد خطاب استعراضي، أشبه بمسرحية لا يصدقها حتى ممثلوها.وهكذا، يبقى التناقض سيد الموقف، لا لأنه أقوى من الحقيقة، بل لأن الناس اعتادوا عليه حتى ظنوه طبيعياً. لكن الحقيقة، مهما تأخرت، تظل قادرة على كشف هذا الزيف، لأنها لا تحتاج إلى صوت عالٍ، بل إلى مرآة صادقة… مرآة لا تكسرها الرغبات، ولا تشوهها المصالح.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-كمين حزب الله لدبابات إسرائيلية-.. ما حقيقته ...
- زيلينسكي: خبراء أوكرانيون شاركوا في إسقاط مسيّرات إيرانية بع ...
- تقييمات استخباراتية إسرائيلية: القيادة الإيرانية الجديدة أكث ...
- في مواجهة -سياسة العزل- الغربية.. الصين تشيد بـ-النجاحات- ال ...
- عاصفة في الإعلام الأميركي: ميغين كيلي تتهم نتنياهو بالتلاعب ...
- تمرد أم حماية؟ ميلانيا ترامب تهدد مروجي -أكاذيب إبستين-
- بعد فقدان الوزن.. كيف نعيد شباب الوجه ونحد من الترهل؟
- اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران: هل تنجح إيران في جعل لبنان - ...
- إسطنبول.. لائحة اتهام لـ35 إسرائيليا بقضية الاعتداء على -أسط ...
- دروس حرب إيران تصل إلى كوريا الشمالية


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مرآة المعايير المكسورة .