أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.














المزيد.....

إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:27
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن إعلان فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية خبرًا عابرًا في شريط الأخبار، بل كان صوتًا معدنيًا يشبه ارتطام آخر مفتاح ببابٍ صدئ رفض أن يُفتح. حين قال نائب الرئيس الأميركي إن واشنطن قدّمت عرضها الأخير والأفضل، وإن عدم الاتفاق خبر سيئ لإيران أكثر مما هو سيئ لأميركا، لم يكن يتحدث بلسان الدبلوماسية الناعمة، بل بلهجة الإمبراطوريات حين تنفد من الكلام وتبدأ بترتيب الخرائط على طاولة النار. المشهد أعمق من خلافٍ تفاوضي على بنود تقنية أو نسب تخصيب أو توقيت رفع عقوبات. القضية في جوهرها صراعٌ بين زمنين: زمن دولة تريد أن تُثبت أنها ما زالت قادرة على المناورة والرفض، وزمن قوة عظمى ترى أن العالم لا يُدار إلا وفق إيقاعها. إيران دخلت المفاوضات بعقلية من يعتقد أن الوقت حليفٌ له، وأن خصمه متعب، وأن الأزمات الدولية ستجبر واشنطن على التراجع. لكن السياسة الأميركية لا تنظر إلى الوقت بوصفه ساعة حائط، بل بوصفه أداة حصار؛ كل دقيقة تأخير تعني عقوبة جديدة، وكل أسبوع مراوحة يعني خنقًا أوسع، وكل شهر انتظار يعني أن الطوق يضيق دون إطلاق رصاصة.رفض الشروط الأميركية لا يعني بالضرورة بطولة كما ستقدمه منابر التعبئة، ولا يعني خيانة كما سيصفه خصومها، بل يعني ببساطة أن النظام الإيراني اختار كلفة المجهول على كلفة التنازل. وهذه مقامرة يعرف التاريخ قسوتها. فالدول حين ترفض التسويات الكبرى لا تُعاقب فقط عسكريًا، بل تُستنزف من الداخل، حيث تبدأ الأسواق بالارتجاف، والعملات بفقدان الذاكرة، والطبقات الفقيرة بدفع فاتورة الشعارات. الإمبراطوريات لا تنتقم دائمًا بالقنابل؛ أحيانًا تنتقم بسعر الخبز.ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ الأغلب أن المنطقة تدخل فصلًا جديدًا من الحرب الباردة الساخنة. لن يكون الهجوم القادم بالضرورة على هيئة اجتياح شامل، فالعالم تغيّر، وأدوات الإخضاع تغيّرت. قد تبدأ الجولة بضربات دقيقة على البنية النووية، أو استهداف منظومات الصواريخ، أو توسيع الحرب السيبرانية، أو خنق صادرات الطاقة، أو تحريك الجغرافيا الداخلية عبر احتجاجات تُسقى من تعب الناس. الحرب الحديثة لم تعد تحتاج إلى دبابات تعبر الحدود؛ يكفي أن تعبر الشائعات إلى الأسواق.
إيران بعد الرفض ستجد نفسها أمام أربع مرايا قاسية. الأولى: مرآة الاقتصاد، حيث لا تكفي الخطب لشراء الدواء. الثانية: مرآة الحلفاء، إذ إن الحلفاء في السياسة يشبهون المظلات؛ تُفتح وقت المطر وتُغلق عند العاصفة الكبرى. الثالثة: مرآة الداخل، حيث الأجيال الجديدة أقل صبرًا على أساطير الحصار وأكثر سؤالًا عن معنى الحياة المؤجلة. الرابعة: مرآة القوة نفسها، فالقوة التي تُستهلك في البقاء لا تبقى قوة هجومية.أما واشنطن، فهي تدرك أن إسقاط الأنظمة ليس دائمًا أفضل من إنهاكها. لذلك قد لا يكون هدفها تغيير العلم فوق المباني، بل تغيير سلوك الدولة من الداخل حتى تصبح أقل قدرة على التمرد وأكثر استعدادًا للامتثال. الفرق بين الاحتلال القديم والهيمنة الحديثة أن الأول يدخل العاصمة، والثاني يدخل القرار.وسوف ترتفع أسعار النفط مع كل توتر، وسترتجف الأسواق، وستتحدث الفضائيات عن الحكمة وضبط النفس بينما مصانع السلاح تعمل بنظام المناوبة. هذا هو نفاق العالم المعتاد: يزرعون البارود ثم يطالبون الغيم بألا يبرق.إيران اليوم ليست أمام سؤال نووي فقط، بل أمام سؤال وجودي: هل تستطيع دولة بُني جزء كبير من شرعيتها على فكرة التحدي أن تتراجع دون أن تنكسر صورتها؟ هنا تكمن العقدة الحقيقية. فالأنظمة كثيرًا ما تتحمل الجوع، لكنها تخشى الاعتراف بأنها أخطأت الحساب.وفي السخرية المرّة للمشهد، يبدو أن الجميع أعلن انتصاره قبل أن تبدأ الخسائر. الأميركي يقول: قدّمنا العرض الأخير. والإيراني يقول: صمدنا. والأسواق تقول: ادفعوا أولًا ثم تفاوضوا لاحقًا. أما الشعوب، كعادتها، فتُستدعى فقط لتصفق أو لتُدفن.قد لا تقع الحرب الشاملة غدًا، وقد تتأجل أسابيع أو أشهر، لكن ما سقط بالفعل هو وهم أن الأزمة انتهت. حين تفشل المفاوضات لا يعود السؤال: هل ستأتي العاصفة؟ بل: من سيدفع ثمن المظلة الممزقة؟وهكذا تقف إيران عند مفترق لا ترحمه الجغرافيا ولا يجامل فيه التاريخ: إما مراجعة مؤلمة تحفظ ما يمكن حفظه، وإما عنادٌ يُكتب بالحبر في الخطب، ثم يُمحى بالنار على الأرض.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.


المزيد.....




- هل أصبح مريول المطبخ أكثر إثارة من الفستان الضيّق في عالم ال ...
- الحلم الأمريكي يتلاشي..أمريكيون ينتقلون للعيش في وسط وشرق أو ...
- -لا أخشى إدارة ترامب-.. البابا لاوُن يرد على انتقادات الرئيس ...
- سكان بلدة لبنانية جنوبية يرفضون إخلاءها رغم ذكرياتهم الأليمة ...
- -أحذية فارغة وأسماء تُتلى-.. أمستردام تحيي ذكرى أطفال وصحفيي ...
- هايتي: مصرع 25 على الأقل في تدافع بقلعة -لافيرير- المدرجة في ...
- تحليل إسرائيلي: فشل مفاوضات إسلام آباد يزيد الضغوط على الشعب ...
- على خُطى القديس أوغسطين.. ماذا تحمل زيارة الحبر الأعظم إلى ا ...
- من يُغلق مضيق هرمز؟ تهديد ترامب يقابله التحدي الإيراني
- ترامب يتبع استراتيجية الرجل المجنون بفرض حصار على مضيق هرمز ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.