أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطانُ الثمن.














المزيد.....

خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطانُ الثمن.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 11:25
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا الشرق المتعب، لا تُدار السياسة كما تُدار الدول، بل كما تُدار الحانات في آخر الليل: ضجيجٌ كثير، ووجوهٌ متعبة، وحسابٌ يُدفع من جيوب الغائبين. أمّا الشعوب، فهي النادل الصامت الذي يحمل صواني الخسائر من طاولة إلى أخرى، دون أن يُسمح له بالجلوس.العراق، منذ أن أُسقطت أبوابه في 2003، لم يدخل زمنًا جديدًا كما قيل له، بل دخل مزادًا طويلًا. بيع فيه الجيش باسم التحرير، وبيع فيه القانون باسم الديمقراطية، وبيع فيه الوطن باسم التعددية. وحين انتهى المزاد، اكتشف العراقي أن البضاعة الوحيدة التي بقيت بلا مشترٍ هي كرامته.أمريكا، التي جاءت تحمل لافتة الخلاص، غادرت تاركة خلفها دولةً تتقن كل شيء إلا أن تكون دولة. صنعت فراغًا، ثم استغربت أن الوحوش تسكن الفراغ.حطمت المؤسسة، ثم اندهشت من صعود الميليشيا. ألغت المركز، ثم تساءلت لماذا صار الهامش هو الحاكم. ولم يكن الخطأ في القرار وحده، بل في الفكرة نفسها: أن من يهدم بيتًا يمكنه أن يبيع أهله خارطةً للسكنى.وحين يخطئ العملاق، لا يعتذر بل يعيد صياغة الخطأ في خطاب جديد. فالسياسة الدولية لا تقول: أخطأنا. بل تقول: تغيّرت الأولويات. والدماء التي سالت لا تُذكر إلا بوصفها “تكلفة انتقالية”، كأن الأوطان مشاريع عقارية تأخر تسليمها.إيران، من جهتها، لم تحتج إلى غزو العراق كي تدخل إليه. دخلت من الأبواب التي فتحها الانهيار، ومن الشقوق التي تركها الاحتلال، ومن الجوع الذي أصاب الدولة. فهمت باكرًا أن النفوذ لا يحتاج دائمًا إلى دبابة، بل أحيانًا إلى حزب، ومصرف، ومنبر، وشبكة ولاءات تعرف كيف تجعل القرار الوطني يتلعثم كلما حاول النطق.
وهكذا صار العراق ساحةً لا وطنًا، وممرًا لا مقصدًا، وخزنةً مفتوحة لمن يملك مفاتيح الطوائف. تُستنزف موارده في صراعات لا تشبهه، وتُستثمر آلامه في مشاريع لا تخصه، بينما المواطن يراقب المشهد كمن يشاهد لصوصًا يختلفون على تقسيم البيت وهو ما زال داخله.أما بريطانيا، تلك الإمبراطورية التي تعلّمت كيف تحكم العالم بربطة عنق، فهي تعرف أن النفوذ الحديث لا يحتاج أعلامًا فوق القلاع، بل مؤسسات، ومسارات مالية، وعلاقات ناعمة، ومناطق رمادية لا تصلها أسئلة الصحافة. ففي عالم اليوم، قد تمر القوة عبر شركة، أو جمعية، أو حساب مصرفي، أكثر مما تمر عبر سفينة حربية. لم يعد الاستعمار يرتدي الخوذة؛ صار يرتدي البدلة، ويوقّع العقود، ويتحدث عن الشفافية وهو يطفئ الأنوار.والساخر في الأمر أن الجميع يتحدث عن السيادة، بينما الجميع يفاوض عليها في الغرف المغلقة. يتحدثون عن الوطن كما يتحدث التجار عن مزرعة: كم تنتج؟ من يحرسها؟ ومن يملك مفاتيح بوابتها؟..في العراق طبقة سياسية أتقنت فن البقاء أكثر من فن البناء. تعرف كيف تغيّر الشعارات، وتبدّل التحالفات، وتعيد تدوير الوجوه، لكنها تعجز عن إصلاح شارع، أو حماية مدرسة، أو إقناع شاب بأن المستقبل ليس قاربًا إلى المنفى. هي طبقة تشبه الممثل الرديء: ينسى النص، لكنه يصرّ على البقاء فوق المسرح.والمفارقة أن الفاسدين يتحدثون عن النزاهة، والتابعين عن الاستقلال، والمستفيدين من الخراب عن الإعمار، وكأن اللغة نفسها صارت ضحية إضافية في هذا البلد. لم تعد الكلمات تُستخدم للتعبير، بل للتمويه. الديمقراطية صندوق، نعم، لكن ماذا يفعل الصندوق إذا كانت اليد التي تفتحه هي نفسها اليد التي سرقت ما فيه؟أمّا الصراع بين واشنطن وطهران، فهو في كثير من لحظاته يشبه مبارزة فوق أرض ليست لهما. يتبادلان الرسائل بالنار، وتلتقط الشظايا مدن الآخرين. وحين يهدأ التوتر، يجلس الساسة ليتحدثوا عن الحكمة وضبط النفس، بينما الأمهات يعدن أسماء الغائبين.ليس السؤال من الأقوى، ولا من الأقدر على الحصار، ولا من يملك الأساطيل. السؤال الأهم: لماذا تبقى أوطاننا قابلة لأن تُستخدم خرائطَ لحروب الغير؟ لماذا يصبح مستقبل الملايين رهينةً لمعادلات لا يكتبها أهل البلاد؟..العراق لا يحتاج وصيًا جديدًا، ولا مُخلّصًا مستوردًا، ولا نسخةً من طغيان قديم أو حديث. يحتاج فقط أن يعود إلى نفسه: دولةً لا مزرعة، قانونًا لا صفقة، جيشًا للوطن لا للأشخاص، ومؤسسات لا تُدار بعقلية الغنيمة. يحتاج أن يفهم أن أخطر الاحتلالات ليست تلك التي تدخل بالدبابات، بل التي تسكن العقول حتى يظن الناس أن الفوضى قدر.وحين ينهض العراق حقًا، سيكتشف الجميع أن هذه البلاد لم تكن يومًا جائزة حرب، بل أمة أُسيء استعمال صبرها. وسيعرف السماسرة، متأخرين كعادتهم، أن الأوطان قد تتعب… لكنها لا تموت.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطانُ الثمن.