أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟














المزيد.....

هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 08:49
المحور: قضايا ثقافية
    


من أخطر ما يفعله الإنسان بالتاريخ أنه يُدخله إلى محكمة العاطفة، ثم يطلب منه أن ينطق بلغة الأحكام النهائية. فالتاريخ، في جوهره، ليس دفترًا بسيطًا تُكتب فيه الوقائع بخط مستقيم، بل هو نسيج كثيف من الدوافع والمصالح والنيات المتشابكة والضرورات القاسية وسوء الفهم واللحظات التي تنفلت فيها الأحداث من قبضة أصحابها. وحين نعود إلى السؤال القديم المتجدد: هل كان معاوية يكره الإمام علي؟ فإننا لا نكون أمام استفسار عن رجلين رحلا، بل أمام سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السلطة، وحدود الأخلاق في زمن الفتنة، وإمكان الفصل بين الخصومة السياسية والبغضاء الشخصية.المشكلة في هذا السؤال أنه صيغ بلغة القلب بينما مادته من صنع السياسة. والكراهية شعور داخلي لا يُقاس بميزان الوقائع وحدها، كما أن الصراع الخارجي لا يعني دائمًا وجود عداوة باطنية. كم من خصمين جمعتهما المعركة وفرقتهما المصالح دون أن يحمل أحدهما في صدره حقدًا صرفًا على الآخر، وكم من متصافحين كانوا يتبادلون الابتسام بينما تضج قلوبهم بالنفور. ولهذا فإن من يريد قراءة تلك المرحلة قراءة نزيهة عليه أن يتحرر من غواية الاختزال؛ لأن اختزال الفتنة الكبرى في كلمة “يكره” يشبه اختزال البحر في قطرة.الإمام علي كان شخصية استثنائية يصعب أن تكون عادية في زمن استثنائي. رجل اجتمع له القرب من النبوة، والسبق إلى الإيمان، والبلاغة التي صارت مدرسة، والشجاعة التي صارت مثلًا، والزهد الذي بقي شاهدًا على أخلاقه. ومن الطبيعي أن يكون حضوره كبيرًا إلى حد أن يخلق حوله مواقف متباينة؛ فالشخصيات العظيمة لا تترك الناس محايدين. أما معاوية فكان رجل دولة بامتياز، يمتلك دهاء الإدارة، وصبر السياسة، وفهم توازنات القبائل، وإدراكًا عميقًا لطبيعة القوة حين تتحول من فكرة إلى نظام. وبين رجل يجسد المثال الأخلاقي في الحكم، ورجل يجسد الواقعية السياسية في إدارة الدولة، نشأ واحد من أعقد التوترات في التاريخ الإسلامي.لم يكن الزمن آنذاك زمن هدوء، بل زمن دم عثمان الذي تحوّل من حادثة مأساوية إلى بركان شرعية. ومن هنا بدأت الأسئلة القاسية: من يُحاسَب؟ من يحكم؟ من يملك حق التأجيل؟ من يملك حق المطالبة؟ وحين تتعدد الأسئلة في لحظة اضطراب، لا يعود الناس يرون الحقيقة نفسها، بل يرى كل طرف جزءًا منها ويقاتل عليه كأنه الكل. علي رأى أن تثبيت الدولة أولًا شرط للعدل، لأن الفوضى لا تُقيم قصاصًا. ومعاوية رأى أن دم عثمان لا يحتمل التأخير، وأن المطالبة به مدخل الشرعية. وبين الرؤيتين اتسعت المسافة حتى صارت سيوفًا.هنا يخطئ من يظن أن كل حرب هي نتيجة كراهية. كثير من الحروب تنشأ لأن كل طرف يعتقد أنه يحمي مبدأً ما، أو يدفع خطرًا ما، أو يمنع انهيارًا ما. السياسة كثيرًا ما تُجبر الرجال على اتخاذ مواقع تبدو أخلاقيًا قاسية، بينما هم يظنون أنهم يمنعون ما هو أقسى. وهذا لا يبرئ كل فعل، لكنه يجعل الحكم أكثر تعقيدًا من ثنائية الحب والبغض. فربما كان الخلاف بين علي ومعاوية صراع رؤيتين للدولة أكثر من كونه صراع قلبين.لكن ثمة من يحتج بما جرى لاحقًا من تراكم الخصومات، ومن خطابات التحشيد، ومن روايات متنازعة حول السب واللعن والمواقف المتشددة، ليقول إن السياسة لا تنفصل عن الشعور. وهذا اعتراض مفهوم، لأن الصراع الطويل يترك ندوبًا، والسلطة حين تطول خصومتها تنتج لغة خشنة قد تتجاوز أصل النزاع. غير أن الندوب التي تتركها المعارك ليست دليلًا قاطعًا على أن بدايتها كانت كراهية. فقد تبدأ الخصومة مطلبًا ثم تتحول مع الزمن إلى جدار نفسي يصعب هدمه.إن السؤال الحقيقي ليس: هل أحب معاوية عليًا أو أبغضه؟ بل: كيف تتحول المجتمعات حين تقع في الفتنة إلى ساحات يُساء فيها فهم الفضائل نفسها؟ الشجاعة تصبح تهورًا عند الخصم، والحزم يصبح قسوة، والدهاء يصبح مكرًا، والزهد يصبح ضعفًا، والمطالبة بالحق تصبح تمردًا، والدعوة إلى الاستقرار تصبح تبريرًا. في أزمنة الانقسام تُشوَّه الصفات بحسب موقع الناظر، لا بحسب حقيقتها. ولهذا بقيت سيرة الرجلين منقسمة في أذهان الناس بقدر انقسام الناس أنفسهم.الحياد هنا لا يعني المساواة الميكانيكية بين كل شيء، ولا إنكار المظالم أو الأخطاء، بل يعني رفض تحويل التاريخ إلى ساحة انتقام متأخر. لسنا مطالبين أن نختار معسكرًا بقدر ما نحن مطالبون أن نفهم كيف وصل المسلمون الأوائل إلى تلك اللحظة الموجعة. فالفهم أعدل من الشتم، والتأمل أنفع من إعادة إشعال الحرائق القديمة.ما في القلوب لا يعلمه إلا الله، أما ما في التاريخ فيدلنا على أن البشر، مهما علت مكانتهم، يواجهون لحظات تختلط فيها النيات بالضرورات، والحقائق بالمخاوف، والمبادئ بالحسابات. وربما كان أعظم درس في هذه الإشكالية أن الإنسان قد يدخل صراعًا عظيمًا لا لأنه يكره خصمه، بل لأنه يرى العالم من نافذة أخرى. والمأساة تبدأ حين يظن كل طرف أن نافذته هي السماء كلها.لهذا يبقى الإمام علي رمزًا للعدالة والعمق الروحي، ويبقى معاوية رمزًا للحنكة السياسية وبناء الدولة عند من يراه كذلك، ويبقى الخلاف بينهما شاهدًا على أن التاريخ لا يُقرأ بالانفعال وحده. إنه يُقرأ بالعقل الذي ينصف، وبالقلب الذي يتواضع، وبالوعي الذي يعرف أن الماضي أكبر من شعاراتنا. وحين نفعل ذلك، نكفّ عن سؤال: من كان يكره من؟ ونبدأ بسؤال أهم: كيف لا نكرر نحن أخطاء الذين سبقونا؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .


المزيد.....




- مستشار عسكري إيراني يُعلق على خطط ترامب لفرض حصار بحري على ب ...
- موقع مختص بالشحن البحري: إيران تخزّن 21 مليون برميل نفط بمخا ...
- ترمب يصعّد ضد الناتو ويؤكد تدمير القدرات العسكرية الإيرانية ...
- ترمب يصعّد هجماته ضد البابا ليو 14 بعد انتقاده الحرب على إير ...
- جيرالد فورد شرق المتوسط وأضرار بطائرة أمريكية للتزود بالوقود ...
- 3 شهداء بنيران مسيّرة إسرائيلية وقصف مدفعي واسع على قطاع غزة ...
- نيويورك تايمز: حرب ترمب تُضعف أمريكا بأربع طرق
- حظر أمريكي للملاحة نحو الموانئ الإيرانية بعد انهيار محادثات ...
- لبنان يتحرك لوقف الحرب عبر التفاوض وإسرائيل تواصل عملياتها ا ...
- حصار هرمز و-أسطول الأشباح-..كيف ستخنق واشنطن النفط الإيراني؟ ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟