أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين فم المدفع ولسان الصفقة .














المزيد.....

بين فم المدفع ولسان الصفقة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 02:21
المحور: قضايا ثقافية
    


في الشرق، لا تأتي الأخبار على هيئة معلومات، بل على هيئة نبضات متسارعة في صدر العالم. هنا لا يكون البحر ماءً فقط، بل يصبح ساحة امتحان للأعصاب، وتتحول المضائق إلى أصابع على زناد التاريخ، ويغدو الليل أشبه بغرفة عمليات تُرسم فيها خرائط الغد بالحبر والبارود معًا. ما يجري في المنطقة ليس مجرد أزمة عابرة بين دولتين، بل مشهد فلسفي قديم يتكرر بثياب حديثة: صراع الإرادات حين تفقد اللغة قدرتها على الإقناع، فتستعين بالسفن والطائرات والصواريخ لتشرح ما عجزت عنه الكلمات.الهدنة التي توصف بأنها سارية تشبه ابتسامة متعبة على وجه مريض. موجودة نعم، لكنها لا تعني الشفاء. فالهدن في هذا الشرق كثيرًا ما تكون استراحة محارب لا استراحة سلام، وممرًا لالتقاط الأنفاس لا جسراً للمصالحة. تحت سطح الصمت، هناك محركات تدور، وغرف مغلقة تناقش، وقادة يزنون الخسائر المحتملة كما يزن الصائغ الذهب. وحده المواطن البسيط لا يُستشار في شيء، لكنه أول من يدفع الفاتورة وآخر من يُذكر اسمه في البيانات.إسرائيل، بحسب ما يظهر من المشهد، لا ترى في التأجيل فضيلة، بل تعتبره تأخيرًا لضرورة القوة. وبعض الدول حين تمتلك فائضًا من السلاح تصاب بوهم أن كل مشكلة تشبه هدفًا عسكريًا. وهنا تكمن مأساة العقل السياسي حين يختصر العالم إلى معادلة قصف ونتيجة، وينسى أن الخرائط التي تُقصف لا تبقى خرائط، بل تتحول إلى ذاكرة أجيال. الحرب سهلة في شاشة القيادة، لكنها معقدة جدًا في بيت فقد أبناءه، وفي مدينة انطفأت كهرباؤها، وفي طفل تعلم أسماء الصواريخ قبل أن يتعلم أسماء الطيور.أما إيران، فهي تقف أمام لحظة مختلفة عن كل ما سبق. سنوات طويلة أدارت صراعاتها عبر مسافات، عبر النفوذ، عبر الحلفاء، عبر الساحات المفتوحة. أما الآن، فإن السؤال صار مباشرًا، والامتحان صار على الطاولة نفسها لا على الطاولات المجاورة. وهذا التحول في ذاته يكشف هشاشة فلسفة الاعتماد على الظل حين تشرق الشمس فجأة على الجسد نفسه. فالقوة غير المختبرة تبقى سردية، أما حين تدخل الميدان فإما أن تتحول إلى حقيقة أو تنكشف كبلاغة سياسية طويلة.
البحر هنا ليس تفصيلًا عسكريًا، بل رمز عميق. البحر يعني التجارة، الشريان، الحركة، الرئة الاقتصادية. وحين يُطرح الحصار البحري، فالمقصود ليس إغلاق ممر، بل خنق زمن كامل. فالدول الحديثة قد تتحمل القصف أيامًا، لكنها لا تحتمل توقف الدورة الاقتصادية طويلًا. الاقتصاد في عصرنا هو القلب الحقيقي للدولة، وما الجيوش إلا أطراف قوية لقلب إذا توقف مات الجسد كله. لذلك فإن خسارة مئات الملايين يوميًا ليست رقمًا في تقرير، بل نزيفًا في شرايين الحياة اليومية.الولايات المتحدة، كعادتها، تمسك العصا من طرفيها: تُظهر السيف وتترك الباب مواربًا للمصافحة. هذا ليس تناقضًا بقدر ما هو جوهر الإمبراطوريات القديمة والحديثة؛ فهي تفاوض من موقع القوة، وتحب أن تجلس إلى الطاولة بينما الأساطيل خلفها. إنها دبلوماسية الظل الثقيل: كلمة في المقدمة، وحاملة طائرات في الخلفية. لكن حتى القوة العظمى تعرف أن الحرب قرار يمكن البدء به بسهولة، أما إنهاؤه فلا يملكه أحد.ومن المفارقات الساخرة أن العالم كله يتحدث عن منع الفوضى عبر حشد أدوات الفوضى نفسها. يتحدثون عن الاستقرار وهم يرسلون المدمرات. يتحدثون عن الأمن بينما الأسواق ترتجف. يتحدثون عن السلام بلغة الإنذار الأخير. كأن البشرية لم تتعلم بعد أن النار لا تُطفأ بسكب مزيد من الزيت، وأن الخوف حين يُدار بعقلية الاستعراض يتحول إلى نبوءة تحقق نفسها.أما الحديث عن الصفقة، فهو الوجه الآخر للمشهد. فالسياسة مهما تشدقت بالكبرياء تعرف في النهاية أن الطاولة أكثر ربحًا من الخندق. غير أن الصفقات في منطقتنا لا تُبنى دائمًا على العدالة، بل على موازين التعب. من يتعب أولًا يوقّع أولًا. ومن يخسر أكثر يقبل أكثر. لذلك تبدو المفاوضات أحيانًا ليست انتصارًا للحكمة، بل اعترافًا بأن الاستمرار في الجنون مكلف جدًا.
الشرق الأوسط يعيش منذ عقود في دورة عجيبة: تهديد، تصعيد، وساطات، هدنة، ثم تهديد جديد. كأن الزمن هنا لا يسير إلى الأمام بل يدور حول نفسه مثل حصان مربوط إلى ساقية قديمة. تتغير الأسماء، وتتبدل الوجوه، لكن النص نفسه يُعاد. والضحايا أنفسهم تقريبًا: الناس، المدن، الأحلام المؤجلة، والأجيال التي ترث القلق كما يُورث البيت والأرض.في جوهر المسألة، لا يتعلق الأمر فقط ببرنامج نووي أو مضيق بحري أو توازن ردع. يتعلق الأمر بسؤال أعمق: هل تستطيع المنطقة أن تتخيل نفسها خارج منطق الحافة؟ خارج فلسفة الهاوية التي تقف عندها كل مرة ثم تتراجع نصف خطوة؟ هل يمكن أن تصبح السياسة فن بناء لا فن منع انهيار مؤقت؟ هذا هو السؤال الحقيقي، وما عداه تفاصيل تتبدل مع نشرات الأخبار.
ربما لن تقع الحرب الليلة، وربما تقع غدًا، وربما تنتصر الصفقة على المدفع. لكن المؤكد أن العالم ما دام يربط مصير الشعوب بأعصاب القادة، فسيظل السلام هشًا كزجاج نافذة في مدينة حدودية. والمأساة أن الإنسان، بعد كل هذا التقدم، ما زال كلما عجز عن إقناع خصمه، يعود إلى أقدم لغاته: لغة التهديد.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...


المزيد.....




- بعد تصريحات ترامب الساخرة ..“ماكرون يثأر لكرامته“ بنشر صورة ...
- منسقة أممية تحذر من -أزمة مهملة- في السودان وتنتقد صمت العال ...
- مباشر: طهران تصف الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية بأنه عمل ...
- معركة الممرات.. إستراتيجية -المنع- الأمريكية في مواجهة -المن ...
- كيف علق الإعلام الصيني على فشل مفاوضات إسلام آباد؟
- كاتب روسي: تقنيات مدنية بحتة قد توفر حماية أفضل من الدرع الن ...
- محادثات واشنطن.. لبنان يأمل وقف إطلاق النار وإسرائيل تصر على ...
- من الأطلسي إلى هرمز.. لماذا تجنّبت حاملة الطائرات -جورج بوش- ...
- حان وقت حلف المتوسط.. إسبانيا تقترب منا أكثر
- كيف ينتقم نتنياهو من إسرائيل؟


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين فم المدفع ولسان الصفقة .