أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسعر الصندوق..














المزيد.....

جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسعر الصندوق..


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 09:20
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا العالم العجيب، هناك أمم تستيقظ صباحًا لتسأل: كيف نزيد دخل المواطن؟ كيف نخفف عنه أعباء الحياة؟ كيف نجعل البيت حقًا لا حلمًا، والزواج بداية فرح لا بداية دين، والخدمات أمرًا بديهيًا لا معجزة موسمية؟ ثم هناك نحن... نستيقظ على سؤال أكثر عمقًا ووجودية: كم بلغ سعر الطماطة اليوم؟.. السعودية تتحدث عن تقليل الاعتماد على النفط، أي أنها تناقش كيف تتحرر من مصدر ثروتها كي تصنع ثروات جديدة. والإمارات تعلن أن المواطن لا يبقى بلا بيت ولا سيارة، بل تفكر حتى في تكاليف زواجه، لأن الدولة هناك فهمت أن الإنسان إذا اطمأن، أبدع. وقطر تواصل إعفاء المواطن من أعباء الكهرباء والماء، وتتصدر الرواتب، لأنهم أدركوا أن الوطن ليس خطبة حماسية، بل عقد كرامة بين الدولة والناس.أما نحن، فلدينا مشروع حضاري آخر، أكثر تواضعًا وأشد شاعرية: نسعى لتوفير أزمة الطماطة بأسعار مدعومة.يا لروعة الفارق بين من يصنع اقتصادًا، ومن يصنع نشرة أسعار. بين من يخطط لعقود قادمة، ومن يخطط لعبور أسبوع بلا باذنجان مرتفع الثمن. هناك من يحسب الناتج المحلي، وهنا من يحسب عدد الحبات في الكيس.لقد تحولت السياسة عندنا إلى فن إدارة الطوارئ الدائمة. لا تُحل أزمة حتى تُولد أختها. فإذا اختفت أزمة الوقود حضرت أزمة الكهرباء، وإذا خفتت أزمة الماء اشتعلت أزمة الدولار، وإذا هدأت الأسواق انتفضت الطماطة لتعلن نفسها زعيمة المرحلة. حتى صار المواطن العراقي لا يحتاج إلى محلل اقتصادي، بل إلى قارئ فنجان يخبره بمستقبل الخضروات.والأشد سخرية أن هذه المآسي تُغلّف دائمًا بشعارات عملاقة. فحين يطالب الجائع بخبزه، يُلقى عليه خطاب عن الشهادة. وحين يسأل العاطل عن عمل، يُجاب بقصة تاريخية عن حماية الأعراض. وحين يبحث الشاب عن سكن، يُستدعى صراع عمره ألف عام ليشرح له سبب عدم توفر قطعة أرض. كأن البطالة تُحل بالمراثي، وكأن انقطاع الكهرباء يخجل إذا سمع الهتافات.في بلاد أخرى، تُستخدم الذاكرة لبناء المستقبل. أما عندنا، فيُستخدم الماضي لإلغاء الحاضر. يُستخرج من القبور برنامج حكومة، ومن الخصومات القديمة قانون موازنة، ومن الحناجر المتعبة مشروع إصلاح. فإذا سألت: أين المدارس؟ قالوا لك: سلامًا على الشهداء. وإذا سألت: أين المستشفيات؟ قالوا: حمينا الأعراض. وإذا سألت: أين الدولة؟ قالوا: اسكت... أنت لا تفهم المؤامرة.إن المأساة ليست في الفقر وحده، بل في تحويل الفقر إلى وجهة نظر. وليست في الفشل فقط، بل في تسويق الفشل على أنه انتصار أخلاقي. كأن المواطن يجب أن يعتذر لأنه يريد حياة طبيعية، وكأن طلب الخدمات خيانة، والسؤال عن المال العام وقاحة، والبحث عن الكفاءة خروج عن النص المقدس للرداءة.العراق بلد لا تنقصه الثروات، بل تنقصه الأولويات. أرضه قادرة أن تُطعم نصف المنطقة، لكن أبناءه يتجادلون على سعر الطماطة. نفطه يكفي لصناعة مدن حديثة، لكن مدنه ما زالت تتوسل مولدًا أهليًا ورصيفًا مستقيمًا. شبابه طاقات هائلة، لكنهم يُستهلكون في طوابير الانتظار، أو في حروب الشعارات، أو في منافي اليأس.ومن عجائبنا أيضًا أننا اعتدنا المصيبة حتى صارت جزءًا من الديكور الوطني. صار انقطاع الكهرباء طقسًا صيفيًا، والازدحام قدرًا، والفساد خبرًا عابرًا، وارتفاع الأسعار موضوع نكتة. حين تصل الشعوب إلى الضحك على أوجاعها، فهذا ليس دليل سعادة، بل آخر وسائل الدفاع عن العقل.ومع ذلك، يبقى العراقي يضحك. يضحك لأنه لو فكّر بكل شيء لبكى. يضحك من تصريح المسؤول، ومن وعود الموسم، ومن لجان التحقيق التي تُدفن قبل أن تولد، ومن المشاريع التي تُفتتح ثلاث مرات ولا تعمل مرة واحدة. يضحك لأن السخرية آخر ما بقي له من حرية.
يا سادة، ليست الطماطة هي المشكلة. الطماطة مجرد ثمرة بريئة وجدت نفسها في مسرح عبثي. المشكلة في وطن صار فيه الغذاء إنجازًا، والسكن أمنية، والوظيفة وساطة، والكرامة رفاهية. المشكلة في عقل سياسي إذا رأى العالم يبني ناطحات سحاب، انشغل بتنظيم مؤتمر عن فضائل الصبر.
سيأتي يوم يُكتب فيه تاريخ هذه المرحلة، وسيقف المؤرخ حائرًا: كيف امتلك بلد كل هذه الثروات، ثم دخل معركة وجودية مع الطماطة؟ كيف جلس شعب فوق بحر من النفط، وهو يفاوض السوق على سعر الخضار؟ كيف أُهدرت الأعمار بين خطاب متخم بالمجد، وواقع متخم بالعجز؟
سلامٌ على العراق... البلد الذي كان يمكن أن يكون معجزة، فاختاروا له أن يكون نكتة سوداء.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟


المزيد.....




- منطاد هواء ساخن يهبط اضطرارياً في فناء خلفي لمنزل.. شاهد ما ...
- منذ مطلع أبريل: أمن الدولة العليا تُخلي سبيل أكثر من 90 محبو ...
- كيف وضعت الصين آلاف الرموز من لغتها على -الكيبورد-؟
- معرض هانوفر يُذكر ميرتس بضرورة إصلاحات -حقيقية-
- الحرب في الشرق الأوسط: المفاوضات الشاقة.. بين معضلتي مضيق هر ...
- ستارمر أمام البرلمان لتهدئة الغضب بشأن تعيين مندلسون من جديد ...
- الصين: -أباريق الشاي-.. مصافي نفط صغيرة تهددها الحرب في الشر ...
- إسرائيل تقسّم جغرافيا لبنان: نحو نموذجٍ شبيه بغزّة؟
- هل رسائلك آمنة حقا؟ ما تحتاج معرفته عن -الأبواب الخلفية- في ...
- وصفت -بالقرصنة البحرية-.. كيف سيطرت أمريكا على -توسكا- وكيف ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسعر الصندوق..