أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.














المزيد.....

كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 17:07
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمةَ لحظاتٌ لا يمرُّ بها الزمن، بل تتجمّد في ذاكرة الأرض كما تتجمّد الصرخة في صدر أمٍّ ماتت قبل أن تُكمل نداء طفلها. وثمةَ مشاهد لا تستطيع اللغة أن تحملها كاملة، لأن الحروف أضعف من أن تصف بيتًا كان منذ دقائق مأوى للحب، ثم صار ركامًا يفتّش فيه اليُتم عن وجهٍ يعرفه. هناك، في قريةٍ هادئة، لم يكن الأب يحمل بندقية، ولم تكن الأم تُدير حربًا، ولم يكن الطفلان يخططان لإسقاط دولة أو تهديد إمبراطورية. كانوا فقط يعيشون المعنى البسيط للحياة: سقفٌ يأويهم، دفءٌ عائلي، وأملٌ صغير بيومٍ عادي لا أكثر. لكن العالم الذي اختلَّ ميزانه صار يرى في البيوت أهدافًا، وفي الأبرياء رسائل نارية، وفي دموع الأطفال تفصيلًا جانبيًا لا يستحق التوقّف عنده.أيُّ فلسفةٍ هذه التي تجعل العاجز عن مواجهة خصمه يبحث عن جسدٍ أضعف ليكسر فيه غضبه؟ وأيُّ منطقٍ هذا الذي يحوّل المدن الآمنة إلى خرائط خوف، ثم يطالب الضحايا بالصمت باسم السياسة، أو الصبر باسم المصلحة، أو القبول باسم القدر؟ إن الجريمة لا تصبح حقًّا لأنها صادرة عن دولة، ولا تتحوّل القذيفة إلى حكمة لأنها خرجت من منصة رسمية. النار هي النار، سواء حملتها يد فردٍ أو ختمتها سلطة.
في لحظة القصف، لا تسقط الحجارة فقط، بل تسقط أوهام كثيرة. يسقط وهمُ أن العالم تعلّم من مآسيه. يسقط وهمُ أن الإنسان صار أكثر رحمة. ويسقط وهمُ أن القوانين كُتبت لحماية الضعفاء. ما الذي يشعر به طفلٌ خرج من تحت الركام يبحث عن أمّه، فلا يجد إلا الغبار؟ كيف نفسّر له أن الذين قتلوا والديه يتحدّثون عن الشرف والعقيدة والسيادة؟ بأي لغةٍ نقول له إن هذا العصر ما زال يصفّق للخطب بينما يدفن الحقيقة تحت الأنقاض؟
إن مأساة الأكراد ليست حادثةً عابرة في نشرة أخبار، بل فصل طويل من سؤالٍ قديم: لماذا يُعاقَب من يريد الحياة؟ شعبٌ أراد أن يبني، أن يزرع، أن يتعلّم، أن يفتح نوافذه للشمس، فإذا به يُستهدف كلما حاول أن يتنفس. كأن قدره أن يدفع ثمن صراعات لم يصنعها، وأن يُطلب منه الاحتمال إلى ما لا نهاية، وأن يُختبر صبره في كل مرة بدم جديد.
لكن بين الركام حقيقة لا تموت: الضحية ليست مهزومة. المقتول ظلمًا لا يُهزم، بل يتحوّل إلى شهادة على سقوط قاتله. والطفل الذي يبكي اليوم قد يكبر وهو يحمل ذاكرةً تصنع مستقبلًا أكثر عدلًا من حاضرٍ تواطأ مع القسوة. إن الدم البريء لا يضيع، لأنه يتحوّل في ضمير الشعوب إلى نارٍ أخلاقية تُطارد الجناة ولو بعد حين.ولحظة الفراق هنا ليست مجرد موت أبٍ وأم، بل فراق عالمٍ كامل. فراق صوت الأم حين تنادي أبناءها إلى الطعام، وفراق تعب الأب وهو يعود محمّلًا بما تيسّر من رزق، وفراق الضحكات الصغيرة التي كانت تتردّد بين الجدران. البيت لا يُهدم حين يسقط سقفه، بل حين يُنتزع منه أهله.والأطفال لا يُيتمون حين يغيب الوالدان فقط، بل حين يكتشفون أن هذا العالم قادر على قتل البراءة بلا تردّد.ومع ذلك، فإن الشعوب التي عرفت الألم تعرف أيضًا كيف تنهض. وكوردستان التي دفعت من دم أبنائها كثيرًا، لم تكن يومًا أرضًا تُطفئها العواصف. قد تُجرح، نعم، وقد تبكي، نعم، لكنها لا تنكسر. لأن الذين تعلّموا الصعود من الجبال يعرفون أن السقوط ليس نهاية الطريق.سيبقى السؤال معلقًا فوق كل دخان: ما ذنب هؤلاء؟ ولن يجد القتلة جوابًا، لأن لا جواب يُبرّر قتل الأبرياء. وسيبقى وجه الطفلين شاهدًا على عصرٍ ما زال يخلط بين القوة والوحشية. أما الذين رحلوا، فقد أخذوا معهم أجسادهم فقط، وتركوا لنا مرآةً نرى فيها قبح العالم، وواجبًا أخلاقيًا ألا نصمت.فالبيوت تُبنى من جديد، لكن القلوب المكسورة تحتاج عدالة. والعدالة تبدأ حين يُقال للظالم: أنت ظالم، مهما رفعت من شعارات، ومهما احتميت من أسماء. وحين يُقال للضحية: دمك ليس خبرًا عابرًا، بل قضية. وحينها فقط، يصبح للشهداء نورٌ لا ينطفئ، ويصبح للألم معنى، ويصبح للفراق وعدٌ خفيّ بأن اللقاء القادم سيكون في عالمٍ لا تُقصف فيه البيوت، ولا يُترك فيه طفلان وحيدين أمام أبواب الليل.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.


المزيد.....




- الكويت.. حياة الفهد تمر بـ-وعكة صحية حرجة-
- بالفيديو.. الجيش الأمريكي يكشف تفاصيل الاستيلاء على السفينة ...
- وزير الخارجية الإسرائيلي عن تدنيس جندي لرمز مسيحي في لبنان: ...
- قبل جولة مفاوضات مختملة.. رئيس إيران: لا نسعى لتوسيع نطاق ال ...
- المنطقة على حافة انفجار جديد: إنزال أميركي على سفينة إيرانية ...
- -كتفا لكتف-.. مناورات أمريكية فلبينية بمشاركة يابانية لأول م ...
- صورة تظهر جنديا إسرائيليا يُلحق أضرارا بتمثال للمسيح في لبنا ...
- معارض روسي في ألمانيا.. كيف انتهى به الأمر في سجن الترحيل؟
- الزمالك المصري واتحاد العاصمة الجزائري في نهائي كأس الاتحاد ...
- فيديو.. إنزال أمريكي على سفينة إيرانية في بحر العرب بعد تعطي ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.