أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين تسقط الأمم من الداخل .














المزيد.....

حين تسقط الأمم من الداخل .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 08:36
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست كل المدن التي تُهدم تسمع صوت القصف، وليست كل الأمم التي تنهار ترى الدبابات عند أبوابها. هناك سقوط أكثر هدوءًا، وأكثر دهاءً، وأكثر قسوة، لأنه لا يبدأ من الحدود بل من العقول، ولا يمر عبر الجدران بل عبر القيم، ولا يعلن نفسه حربًا بل يتسلل في هيئة اعتياد يومي حتى يصبح الخراب أسلوب حياة.لقد اعتاد الناس أن يتخيلوا نهاية الدول مشهدًا صاخبًا: دخان، نار، جنود، أعلام ممزقة، وصراخ في الشوارع. لكن التاريخ أكثر خبثًا من مخيلة الجماهير. فكثير من الأمم لم تُهزم بالسلاح أولًا، بل هُزمت حين فقدت قدرتها على التمييز بين الحق والضجيج، بين الحرية والفوضى، بين النقد والبغضاء، بين الاختلاف والتفكك.وعندما يختلط كل شيء بكل شيء، يصبح المجتمع كمن فقد البوصلة في صحراء واسعة؛ يمشي كثيرًا لكنه لا يصل.إن تدمير المجتمعات يبدأ عادة من فكرة صغيرة: أن لا شيء يستحق الاحترام. حين تُسخر القيم، ويُستهزأ بالمبادئ، ويُقدَّم الصادق على أنه ساذج، ويُصوَّر الشريف كخاسر، ويُحتفى بالمخادع بوصفه ذكيًا، فاعلم أن الجدار الأول قد تصدع. فالأمم لا تقوم بالإسمنت والحديد فقط، بل تقوم قبل ذلك على معنى مشترك يربط الناس بعضهم ببعض. فإذا مات المعنى، بقيت الأبنية قائمة لكن الروح غادرتها.انظر إلى مجتمعات كثيرة في العصر الحديث، لم تبدأ أزماتها بانهيار الاقتصاد، بل بانهيار الثقة. المواطن لا يصدق السياسي، والسياسي لا يحترم القانون، والإعلامي يبيع رأيه لمن يدفع، والمثقف ينشغل بمعاركه الصغيرة، والمعلم يشرح بلا إيمان، والطالب يتعلم بلا شغف. هنا لا تحتاج الدولة إلى عدو خارجي، لأنها أصبحت تمارس الحصار على نفسها بنفسها. وما أقسى أن يتحول الوطن إلى خصم لمواطنيه، أو يتحول المواطن إلى عابر سبيل في وطنه.في بعض البلدان، رأينا كيف تُسرق الثروات تحت لافتات الوطنية، وكيف تُنهب المؤسسات باسم الإصلاح، وكيف يُكافأ الفاشل لأنه تابع، ويُقصى الكفوء لأنه مستقل. هذه ليست أخطاء إدارية عابرة، بل علامات مرض أعمق: حين يصبح الولاء للأشخاص أعلى من الولاء للمبدأ. وعندما يحدث ذلك، يتحول القانون إلى نص للزينة، وتصبح المناصب غنائم، ويُدار الوطن كما تُدار مزرعة خاصة لا دولة عامة.ولنا في الواقع أمثلة لا تحتاج إلى كثير شرح. دول امتلكت النفط والمياه والموقع الجغرافي والموارد البشرية، لكنها ظلت تتعثر لأن عقلها السياسي ظل أسير الغنيمة لا البناء. ودول خرجت من الحروب مدمرة ثم نهضت لأنها آمنت بالمؤسسة والعلم والانضباط. اليابان بعد الحرب العالمية الثانية لم تملك رفاهية البكاء الطويل، فحوّلت الرماد إلى صناعة. وألمانيا خرجت من الخراب ثم أعادت تعريف نفسها بالعمل لا بالشعارات. بينما أمم أخرى بقيت تكرر خطاب المظلومية حتى نسيت كيف تصنع المستقبل.ومن أخطر مراحل الانهيار أن يعتاد الناس القبح. حين تصبح النفايات منظرًا طبيعيًا، والفساد خبرًا عاديًا، والكذب سلوكًا سياسيًا مألوفًا، والظلم مجرد تفصيل يومي، فالمشكلة لم تعد في الفساد وحده، بل في المصالحة معه. الإنسان يتألم من الجرح أول مرة، لكنه إذا تُرك بلا علاج قد يتعايش مع الألم حتى يظنه جزءًا من جسده. وكذلك المجتمعات، قد تتعايش مع الخراب حتى تسميه قدرًا.ثم تأتي لحظة الأزمة، وهي اللحظة التي يظن فيها الجميع أن الانفجار جاء فجأة، بينما الحقيقة أنه كان ينمو ببطء تحت السطح. الأزمات الكبرى نادرًا ما تولد في يوم واحد؛ إنها حصاد سنوات من الإهمال والتواطؤ والتأجيل. الانهيار المالي لا يبدأ يوم إعلان الإفلاس، بل يوم صار اللص محترمًا. والانقسام الأهلي لا يبدأ يوم الرصاص، بل يوم تحولت الكراهية إلى خطاب مقبول. وسقوط الدولة لا يبدأ يوم اقتحام القصر، بل يوم غادر العدل المحاكم.ولعل أكثر ما يثير السخرية المرة أن بعض المجتمعات، بعد كل هذا الخراب، تبحث عن منقذ خارجي. تستدعي الأجنبي ليحل مشكلة صنعها المحلي، وتنتظر المعجزة من وراء الحدود، مع أن العلاج يبدأ من المرآة. فلا أحد يستطيع بناء وطن يرفض أبناؤه بناءه، ولا قوة في العالم تستطيع إنقاذ شعب يرى المصلحة العامة فكرة رومانسية لا ضرورة حياتية.غير أن الصورة ليست سوداء بالكامل. فكما أن التدمير يبدأ من الداخل، فإن النهوض يبدأ من الداخل أيضًا. يبدأ حين يستعيد الناس احترام العمل، حين يعود المعلم قدوة لا موظفًا، حين يصبح القانون أعلى من الزعيم، حين تُكافأ الكفاءة لا القرابة، حين يدرك المواطن أن رمي ورقة في الشارع ليس فعلًا صغيرًا، بل فلسفة كاملة تجاه المكان. الحضارة لا تظهر أولًا في الأبراج، بل في الضمير.إن المجتمعات لا تُقاس بما تملكه من ثروات فقط، بل بما تملكه من مناعة أخلاقية وعقلية. قد تكون فقيرة لكنها متماسكة فتنهض، وقد تكون غنية لكنها متآكلة فتسقط. والفرق بينهما أن الأولى تؤمن بأن الوطن مسؤولية، والثانية تتعامل معه كغنيمة مؤقتة.في النهاية، أخطر مؤامرة على أي أمة ليست تلك التي تُحاك في الخارج، بل تلك التي تنجح في إقناع أبنائها بأن لا شيء يستحق الإصلاح، وأن العبث هو الحقيقة الوحيدة. فإذا آمن الناس بذلك، سقطت الأمة ولو كانت جيوشها على الحدود. أما إذا بقي في داخلها ضمير حي، وعقل ناقد، وإرادة بناء، فإنها تستطيع أن تنهض ولو كانت تحت الركام.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين تسقط الأمم من الداخل .