أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - صناعة الكراهية باسم العقيدة .














المزيد.....

صناعة الكراهية باسم العقيدة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 12:17
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الكراهية وليدة لحظة عابرة في التاريخ، ولا هي انفعالٌ فجّ يولد من فراغ، بل هي بناءٌ بطيء يتسلّل إلى العقول كما يتسلّل الماء إلى الشقوق الدقيقة في جدارٍ قديم، حتى إذا اكتمل تشققه بدا وكأنه كان قدَرًا محتومًا منذ البداية. وما أخطر الكراهية حين لا تأتي بوجهها الصريح، بل حين تتخفّى خلف قداسةٍ مزعومة، أو خطابٍ يلبس ثوب الدين، فيتحول الاختلاف من مساحة رحبة للتعدد إلى ساحة ضيقة للفرز والإقصاء.في لحظة ما من التاريخ، يبدأ الإنسان في استبدال السؤال بالحكم، والبحث باليقين المغلق، فينقلب الفكر من حركةٍ حية إلى جدارٍ صلب لا يقبل المرور. وهنا تحديدًا تولد صناعة الكراهية: عندما يُختزل الآخر في خطأٍ كامل، ويُسحب منه حقه في أن يكون مختلفًا دون أن يكون عدوًا. فليس الخطر في اختلاف العقائد، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى هوية صراع، وكأن الوجود لا يتسع إلا لصوت واحد، ولون واحد، وحقيقة واحدة محتكرة.إن المجتمعات التي تفشل في إدارة تنوعها لا تموت دفعة واحدة، بل تتآكل من الداخل، لأن الكراهية حين تُصنع باسم العقيدة لا تعود مجرد رأي، بل تصبح “واجبًا أخلاقيًا” في نظر من يتبناها. وهنا تكمن المفارقة المأساوية: أن يُستعمل المقدس لتبرير العنف، وأن تتحول الرحمة التي هي جوهر الإيمان إلى حدٍّ فاصل بين “نحن” و”هم”، بين من يستحق الحياة ومن يُنظر إليه كظلٍّ زائد عن الوجود.تبدأ العملية عادة بكلمة، بكلمة صغيرة تُقال في لحظة انفعال، ثم تُعاد وتُكرر حتى تفقد معناها الأول وتكتسب معنى جديدًا، معنى يرسّخ الانقسام. ومع الوقت، تتحول اللغة نفسها إلى أداة فرز، فيُعاد تشكيل الواقع عبر مفردات مشحونة، ويُعاد تعريف الناس لا بما يفعلون، بل بما يُراد لهم أن يكونوا عليه في مخيلة الجماعة. وهكذا تُصنع صورة العدو قبل أن يُصنع العدو نفسه.وحين تستقر هذه الصورة، يصبح من السهل تبرير كل شيء: العزل، الإقصاء، وربما العنف. لأن الآخر لم يعد إنسانًا كاملًا، بل فكرة مشوهة، أو تهديدًا دائم الحضور. في هذه اللحظة تحديدًا، تفقد العقيدة وظيفتها الروحية، وتتحول إلى هوية صدامية، لا تبحث عن خلاص الإنسان، بل عن انتصار الجماعة.لكن الأخطر من كل ذلك أن هذه الصناعة لا تتم دائمًا بالقوة، بل غالبًا ما تتم بالإقناع البطيء، عبر التربية، والخطاب، والذاكرة الجمعية. ينشأ الفرد وهو يحمل صورة جاهزة عن العالم، صورة لا تسمح له بأن يرى الآخر إلا من خلال مرآة مشروخة. وهكذا لا يعود الاختلاف ثراءً معرفيًا، بل تهديدًا نفسيًا، فيلجأ العقل إلى الدفاع بدل الفهم، وإلى الهجوم بدل التأمل.ومع ذلك، فإن جذور المشكلة ليست في العقيدة ذاتها، بل في طريقة تحويلها إلى أداة امتلاك للحقيقة المطلقة. فحين يُغلق باب التأويل، يُغلق معه باب الإنسان. وحين يُختصر الإيمان في شكلٍ واحدٍ جامد، يُختصر معه العالم إلى معسكرين لا ثالث لهما. وهنا يبدأ الانهيار الصامت، انهيار القدرة على التعايش، وانهيار المعنى العميق للتعدد الذي هو سنة الوجود الأولى.إن أخطر ما في الكراهية أنها تبدو في بدايتها منطقية لأصحابها، بل ومبررة أخلاقيًا، لكنها مع الزمن تتحول إلى عُمى جماعي، يجعل الإنسان يرى في الآخر تهديدًا حتى وهو صامت، ويرى في الاختلاف عدوانًا حتى وهو مجرد فكرة. وعند هذه النقطة، لا يعود الصراع بين عقائد، بل بين إنسانية تتقلص، وخوف يتضخم.
ولعل الطريق الوحيد لمقاومة هذه الصناعة لا يكون بشعار مضاد، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الإنسان قبل الفكرة، وللقيمة قبل الانتماء، ولحق الاختلاف قبل وهم التطابق. فالمجتمع الذي يتسع لاختلافه، لا يحتاج إلى كراهية كي يحمي نفسه، بل إلى وعيٍ يدرك أن الحقيقة، مهما اختلفت أوجهها، لا تحتاج إلى حارسٍ غاضب، بل إلى عقلٍ مفتوح وقلبٍ لا يخاف من الآخر.
وهكذا، حين نفهم أن الكراهية ليست قدَرًا دينيًا بل صناعة بشرية، نبدأ أول خطوة نحو تفكيكها، لا بإلغائها من العالم، فهذا وهم، بل بإلغاء شرعنتها في عقولنا، وإعادة الإنسان إلى مركز الفكرة، لا كخصم، بل كمرآةٍ نرى فيها هشاشتنا المشتركة قبل أي اختلاف آخر.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - صناعة الكراهية باسم العقيدة .