أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.














المزيد.....

الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 10:03
المحور: قضايا ثقافية
    


في الجغرافيا السياسية، لا تموت الدول حين تُهزم، بل حين تتكاثر داخلها الدول الصغيرة، تلك التي لا تُرى على الخرائط، لكنها تحكم الخرائط. هناك، حيث تتزاحم المراكز على قلبٍ واحد، يبدأ التاريخ بكتابة نفسه لا بالحبر، بل بالتردد… تردد القرار، وتردد السلطة، وتردد الحقيقة ذاتها.هكذا كانت بغداد حين كانت عاصمةً لا تُشبه المدن، بل تُشبه فكرةً متعبة، تُحاول أن تُمسك بكل الخيوط، بينما خراسان تنسج خيطًا آخر في العتمة. لم يكن الصراع يومها بين أطراف جغرافية، بل بين رؤيتين للسلطة: سلطةٍ تريد أن تُبقي العالم في قبضة يد، وأخرى تتعلم كيف تفلت من تلك القبضة دون أن تُعلن العصيان. ومنذ ذلك الحين، لم يعد التاريخ يثق بالمراكز الصلبة، بل صار يُراهن على الهوامش الذكية.واليوم، تتكرر الحكاية ولكن بلهجةٍ فارسية، حيث لا تتحدث المدن، بل تتآمر بصمت. طهران ليست عاصمة، بل غرفة عمليات، ومشهد ليست مدينة، بل ذاكرة دينية تتنفس السياسة، وقم ليست حوزة فحسب، بل عقلٌ يُعيد تعريف السلطة كل صباح، أما تبريز وأصفهان فهما كمن يقف على الأطراف، يراقب ويبتسم ابتسامة من يعرف أن النهاية لا تُكتب في المركز دائمًا.في مثل هذا المشهد، لا يكون السؤال: من يحكم؟ بل: كيف تتوزع الحيلة بين من يظنون أنهم يحكمون؟ فالدولة هنا لا تُدار بقرار، بل بتوازن هش بين مراكز قوة تخشى بعضها أكثر مما تخشى خصومها. وكل مركزٍ فيها يشبه مرآةً مكسورة، تعكس جزءًا من الحقيقة، وتخفي الجزء الأخطر منها.
وحين يغيب الرمز، لا يسقط النظام فورًا، بل يبدأ في إعادة إنتاج نفسه بطريقةٍ أكثر تعقيدًا. إن غياب الرجل الذي كان يُمسك بالخيوط لا يعني انقطاعها، بل يعني أن كل يدٍ ستحاول أن تمسك بطرفٍ منها، وأن كل طموحٍ سيجد لنفسه مبررًا أخلاقيًا ليتحول إلى ضرورة وطنية. هنا، تصبح السلطة مثل قصيدةٍ سيئة، كل شاعرٍ يريد أن يُكملها، لكنها تزداد ارتباكًا كلما كُتبت.اللافت أن الأسماء التي تظهر في الواجهة ليست بالضرورة هي من تُقرر، فالتاريخ يعلمنا أن أخطر اللاعبين هم أولئك الذين لا يضطرون إلى الظهور. في الكواليس، حيث لا كاميرات ولا تصريحات، تُصاغ القرارات الحقيقية، ويُعاد توزيع النفوذ كما تُوزع الغنائم بعد حربٍ لم تُعلن رسميًا. هناك، يتحرك الصامتون بثقة، بينما يتحدث المتصدرون بلغةٍ يعرفون أنها ليست نهائية.أما الخارج، فيقف كمن يشاهد مسرحية يعرف نهايتها، لكنه يستمتع بالتفاصيل. الولايات المتحدة، ببرودها المحسوب، لا تبحث عن حل، بل عن توقيتٍ مناسب للحل.وإسرائيل، التي تتقن قراءة ما بين السطور، لا تنخدع بالهدوء، لأنها تعرف أن أكثر الأنظمة صخبًا هي تلك التي تتقن الصمت حين تخطط.أما إيران، فهي تلعب لعبتها الأثيرة: الوقت. ذلك المورد الذي لا يُقاس بالساعة، بل بالقدرة على إرباك الخصم. تُفاوض لتؤجل، وتُناور لتُربك، وتُقدم نصف الحل لتضمن استمرار المشكلة. هي لا تُنهي الأزمات، بل تُعيد تدويرها، كأنها تُدرك أن بقاءها مرتبط ببقاء التوتر نفسه.مضيق هرمز، في هذا السياق، ليس ممرًا مائيًا، بل ورقة شطرنج. يُفتح حين تقتضي الحاجة إلى التهدئة، ويُغلق حين يُراد تذكير العالم بأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى سلاح. والملف النووي ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة لإعادة تعريف التوازن، وكأن الحقيقة الوحيدة في هذا المشهد هي أن لا شيء يُقال كما هو، ولا شيء يُفعل كما يُعلن.أما العالم العربي، فيقف كعادته بين القلق والتأمل، يراقب ولا يُبادر، يخشى الانفجار لكنه يتعايش مع مقدماته. وكأن المنطقة كلها تعيش في انتظار حدثٍ تعرف أنه قادم، لكنها لا تعرف متى، ولا كيف، ولا من سيدفع ثمنه.السخرية في كل هذا ليست في تعقيد المشهد، بل في بساطته المفرطة. فكل الأطراف تعرف قواعد اللعبة، وكلها تُتقن الدور، وكلها تُدرك أن النهاية ليست حسمًا، بل جولة جديدة. كأن التاريخ هنا لا يتقدم، بل يدور في حلقةٍ أنيقة، يُعيد إنتاج الأزمات بذوقٍ رفيع، ويمنح الجميع وهم السيطرة، بينما الحقيقة تنزلق بهدوء من بين أيديهم.في النهاية، لا يبدو أن أحدًا يريد أن ينتصر، لأن النصر في مثل هذه الألعاب يعني نهاية اللعبة، والجميع، بطريقةٍ ما، صار مدمنًا على استمرارها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.


المزيد.....




- وسط ضجة -الأرملة-.. ترامب يمازح ميلانيا بمدة زواج والديه
- ترشيح الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية يفاجئ الأوساط السياسية ...
- -تدوير الأنقاض- شريان حياة طارئ لترميم طرق غزة
- آفاق الرؤية الرقمية.. هل تنهي -بولستار 4- عصر الزجاج الخلفي؟ ...
- وهم أم حقيقة؟ تقنية -الهمس الشبحي- التي أنقذت الطيار الأمريك ...
- كذب أم مناورة؟.. هل طلبت طهران من واشنطن فتح مضيق هرمز؟
- أين الأحزاب العربية من تحالف بينيت-لابيد؟
- روسيا تُنهي لعبة العزلة الدبلوماسية لإيران
- الأول من مايو.. ساعة الحقيقة بين ترمب والكونغرس بشأن حرب إير ...
- إسرائيل تقتل 12 بهجمات على جنوب لبنان وترمب يدعو نتنياهو للت ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.