أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .














المزيد.....

كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 14:30
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة القديمة، كان الشعر يُولد كما يولد البرق من احتكاك الغيم، لا يظهر إلا بعد مخاض طويل، ولا يسطع إلا إذا حمل في جوفه نارًا حقيقية. لم يكن الشاعر يُعرَف بعدد الصور التي يلتقطها، ولا بعدد المتابعين الذين يصفقون له من وراء الشاشات، بل كان يُعرف من رجفة اللغة حين يمرّ، ومن ارتباك المعنى حين يقترب، ومن ذلك الصمت الذي يسبق القصيدة كما يسبق الخشوعُ الصلاة. أمّا اليوم، فقد انقلب المشهد حتى صار كل من كتب سطرين، أو صفّ كلماتٍ متجاورة، أو تنهد في آخر الليل أمام شاشة مضيئة، يُعلن نفسه شاعرًا، ويطالب العالم أن يعترف بعبقريته فورًا.إننا لا نعيش أزمة شعر، بل نعيش أزمة تعريف. فالشعر لم يعد عند كثيرين فنًّا عسيرًا يحتاج إلى موهبة وثقافة وتجربة واحتراق داخلي، بل صار لقبًا مجانيًا يُوزَّع كما تُوزَّع الأوسمة البلاستيكية في الاحتفالات المدرسية.يكفي أن يكتب أحدهم: “اشتقت إليك كثيرًا، والقمر حزين بدوني”، حتى تنهال عليه التعليقات: مبدع، شاعر، أسطورة، أمير الإحساس.وهكذا، لا يعود النص هو ما يمنح صاحبه مكانته، بل الجمهور المتعجل الذي يبحث عن انفعال سريع، وعن كلمات سهلة الهضم، وعن عاطفة لا تُتعب العقل.المشكلة ليست في أن يكتب الناس، فالكتابة حق إنساني جميل، وإنما في الوهم الذي يصاحب الكتابة حين تتحول المحاولة إلى تتويج، والتجربة الأولى إلى عرش، والخاطرة العابرة إلى ديوان خالد. فبين من يكتب ومن يستحق اسم الشاعر مسافة تشبه المسافة بين من يلمس الماء ومن يعرف البحر. ليست كل رعشة في القلب قصيدة، ولا كل حزنٍ بيتًا شعريًا، ولا كل حبٍّ يصلح أن يُسكب في اللغة. فالشعر ليس ترجمة مباشرة للمشاعر، بل إعادة خلق لها في صورة أكثر عمقًا ونقاءً ودهشة.لقد ساهمت وسائل العصر في تسريع هذا الالتباس. فالنشر صار لحظيًا، والإعجاب صار آليًا، والتصفيق صار وظيفة يومية. في الماضي، كانت القصيدة تمر عبر غربال النقد، وتتعرض لأسئلة قاسية، وتنتظر زمنًا طويلًا حتى تُختبر قيمتها. أما الآن، فإن النص يولد ويُكرَّم ويموت في اليوم نفسه، دون أن يمر بأي امتحان حقيقي. وهكذا، امتلأت الساحة بأصوات كثيرة، لكن الضجيج لا يعني بالضرورة وجود موسيقى.ثم إن أخطر ما في هذا المشهد ليس كثرة من يدّعون الشعر، بل اختفاء المعيار. حين تتساوى الجوهرة بالحجر، يتوقف الناس عن البحث عن الجمال الحقيقي. وحين يُقدَّم النص الركيك بوصفه إبداعًا، يضيع ذوق الأجيال الجديدة، وتصبح اللغة نفسها ضحية المجاملة. فالكلمات كائنات نبيلة، وإذا أُسيء استخدامها كثيرًا فإنها تفقد هيبتها، ويصبح الكلام رخيصًا مهما بدا مزخرفًا.وليس المقصود من هذا الكلام الدعوة إلى نخبوية متعالية تحتقر الشباب أو تغلق الباب أمام المواهب الجديدة. على العكس تمامًا، فالشعر الحقيقي كثيرًا ما يبدأ من صوت شاب مغمور لا يعرفه أحد. لكن الفرق شاسع بين الشاب الذي يدخل عالم الشعر بتواضع المتعلم، وبين من يقتحمه بغرور المتوَّج. الأول ينمو ويصقل نفسه ويقرأ ويتأمل ويخطئ ويتطور، أما الثاني فيبقى أسير صورته الوهمية، يطلب المديح أكثر مما يطلب الحقيقة.
إن الشاعر ليس من يكتب فقط، بل من يرى ما لا يراه الآخرون، ويقول ما يعجز عنه الآخرون، ويحوّل التجربة البشرية إلى لغة تبقى بعد أن يرحل الجميع. الشاعر ليس صاحب الكلمات الجميلة فحسب، بل صاحب الرؤية، وصاحب الجرح الذي تعلم كيف ينزف نورًا لا دمًا. إنه من يمنح اللغة حياة إضافية، لا من يستهلكها في عبارات مستهلكة.
ربما كان علينا أن نعيد الاعتبار لفكرة التدرج، وأن نتعلم شجاعة الاعتراف بأن كل كتابة ليست شعرًا، وأن كل نص يحتاج إلى صبر، وأن الموهبة وحدها لا تكفي ما لم تتزوج بالمعرفة. فالقصيدة لا تُصنع من الانفعال وحده، بل من الصنعة أيضًا، من القراءة الطويلة، من الإصغاء للموسيقى الداخلية، من فهم التراث، ومن القدرة على كسر القوالب بعد معرفتها، لا قبلها.لقد صار العالم كريمًا جدًا في منح الألقاب، حتى فقدت الألقاب معناها. وصار لقب الشاعر يُمنح أسرع من فرصة القراءة نفسها. لكن الحقيقة لا تتغير مهما ازدحم المسرح بالممثلين. فالشاعر الحقيقي سيبقى نادرًا، لأن الندرة قانون كل شيء ثمين. واللغة، مهما أُرهقت بالادعاء، تعرف أبناءها الحقيقيين، وتفتح لهم أبواب الخلود بصمت.ليس السؤال إذن: لماذا صار كل من كتب سطرين شاعرًا؟ بل السؤال الأعمق: لماذا صرنا نصدق ذلك بهذه السهولة؟ لأننا في زمن يحب الصورة أكثر من الجوهر، واللقب أكثر من الاستحقاق، والسرعة أكثر من النضج. ومع ذلك، سيبقى الشعر الحقيقي قادرًا على النجاة، كما تنجو النجمة الوحيدة في ليل مزدحم بالدخان. وسيبقى القارئ الصادق قادرًا على التمييز، لأن الروح تعرف صوتها، ولو اختلطت حولها آلاف الأصوات الزائفة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.


المزيد.....




- زلزال عنيف يضرب اليابان.. محررة CNN تصف ما حدث بالطابق الـ18 ...
- مصدر يكشف لـCNN عن جهود مصرية لإعادة أمريكا وإيران إلى طاولة ...
- مصادر: مفاوضات أمريكا وإيران الأربعاء مع توجه فانس إلى باكست ...
- -لا قرار باستئناف المفاوضات-.. إيران تشكك في جدية واشنطن: ما ...
- مسعفون ينقذون مئات الاشخاص بعد عاصفة ثلجية في أقصى شرق روسيا ...
- -لا نشعر بالأمان-.. نازحون لبنانيون عالقون بين الرغبة في الع ...
- بعد احتجاز سفينة شحن إيرانية ورفض طهران للتفاوض.. عودة للحرب ...
- غموض يلف الجولة الثانية من المفاوضات بعد اشتراط إيران فك الح ...
- فاتورة الحرب على دول الخليج.. من سيتحمل كلفتها؟
- بيانات ملاحية.. عين الناتو فوق البحر الأسود مع تصاعد استهداف ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .