أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟














المزيد.....

هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 08:12
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الحقيقة كلمة بريئة كما تبدو، ولا نورًا صافياً يهبط على الأرواح فتصفق له القلوب، بل كثيرًا ما كانت الحقيقة حجرًا يُلقى في مياه راكدة، فيكشف ما كان مستورًا في الأعماق، ويحرّك طينًا ظل ساكنًا سنوات طويلة. ومن هنا بدأ خوف الإنسان منها؛ لأنه لا يخاف الحقيقة لذاتها، بل يخاف ما تفعله حين تصل، وما تهدمه حين تُقال، وما تفضحه حين تقترب من الوجوه التي اعتادت الأقنعة.المجتمعات لا تُبنى دائمًا على الصدق الكامل، بل كثير منها يقوم على تفاهمات ضمنية، وأساطير مريحة، ومساحات من الصمت المتبادل. الناس يعرفون أحيانًا أن أشياء كثيرة ليست كما تبدو، لكنهم يفضلون استمرار المسرحية على مواجهة الفراغ الذي سيظهر إن سقط الستار. فالحقيقة لا تمنح اليقين دائمًا، بل قد تنتزع الطمأنينة. ولهذا كان السؤال قديمًا ومتجددًا: هل المجتمع يحتاج الحقيقة فعلًا، أم يحتاج ما يجعله قادرًا على الاستمرار ولو كان وهماً جميلاً؟
حين تُقال الحقيقة في بيتٍ اعتاد المجاملة، قد تنشب الخصومات. وحين تُقال في سلطة اعتادت التقديس، قد تبدأ السجون. وحين تُقال في جماعة بنت وحدتها على رواية مقدسة لا تقبل النقاش، قد يُتهم قائلها بالخيانة.فالحقيقة لا تدخل الأماكن المظلمة دون أن تزعج سكان الظلام. وهي لهذا ليست خطرًا على المجتمع بوصفه كيانًا حياديًا، بل خطر على البنى التي تعيش من غيابها، وعلى المصالح التي تتغذى من تشويهها، وعلى النفوس التي رتبت صورتها أمام المرآة ثم خافت أن ترى وجهها الحقيقي.ولأن الإنسان كائن هشّ، فإنه لا يحتمل الحقيقة دفعة واحدة. هناك حقائق لو هبطت كاملة على قلب فرد أو أمة لأحدثت صدمة تشبه الزلزال. لذلك تلجأ الحياة أحيانًا إلى التدرج، كأنها تعرف أن الوعي مثل العين؛ يحتاج إلى وقت كي يعتاد الضوء بعد طول العتمة. ليست المشكلة إذن في الحقيقة، بل في طريقة استقبالها، وفي مقدار النضج الذي يملكه المجتمع ليحول المعرفة إلى إصلاح، لا إلى فوضى.كم من أمة عاشت قرونًا على تمجيد شخصيات لم تكن كما رُسمت في الكتب، وكم من شعوب صدقت أن سبب بؤسها عدو بعيد، بينما كان الخراب جالسًا في الداخل. وكم من أفراد ظنوا أن صمتهم حكمة، فإذا به مشاركة غير معلنة في دوام الكذب. إن أخطر ما في غياب الحقيقة أنه لا يترك الفراغ، بل يملؤه بالزيف، والزيف لا يكتفي بأن يكون بديلًا، بل يتحول مع الزمن إلى معيار، حتى يصبح الصادق شاذًا، والمنافق واقعيًا، والساكت عاقلًا، والمزيّف ناجحًا.ومع ذلك، لا يمكن تمجيد الحقيقة بطريقة رومانسية ساذجة. فالحقيقة حين تُجرَّد من الرحمة قد تصبح قسوة، وحين تُستخدم بلا حكمة قد تصير معول هدم. ليس كل ما يُعرف يجب أن يُقال في اللحظة نفسها، وليس كل كشف بطولة، فبعض الناس يختبئون خلف شعار الصراحة ليمارسوا العنف، كما يختبئ آخرون خلف شعار الاستقرار ليبرروا الكذب. وبين هذين الطرفين تضيع البصيرة. إن الحقيقة التي تبني هي تلك التي تأتي مقرونة بالمسؤولية، لا بالرغبة في الانتقام أو الاستعراض.
الأنظمة المستبدة تعرف هذه المسألة جيدًا، ولذلك لا تخشى الجهل بقدر ما تخشى الوعي. إنها تدرك أن الإنسان حين يعرف كيف تُدار حياته، وكيف تُسرق حقوقه، وكيف تُصنع الصور الكاذبة من حوله، يصبح أقل قابلية للطاعة العمياء. ولهذا تُحاصر الأسئلة، وتُراقَب الكلمات، ويُربّى الناس على ترديد الأجوبة الجاهزة. فالسلطة التي تقوم على الحقيقة لا تحتاج إلى هذا الخوف، أما السلطة التي تقوم على الخداع فترى في كل سؤال شرارة حريق.وفي الحياة اليومية أيضًا، قد يختار الناس الوهم لأن الحقيقة مكلفة. الموظف يعرف سبب الفساد لكنه يصمت خوفًا على رزقه، والكاتب يعرف سبب الانحدار لكنه يموّه خوفًا على مكانته، والمواطن يعرف من أفسد البلاد لكنه يكرر الأكاذيب لأن الجماعة تقولها. وهكذا لا يصبح الكذب قرارًا فرديًا، بل مناخًا عامًا، يشارك فيه الجميع بدرجات مختلفة، ثم يتساءلون بعد ذلك: كيف وصلنا إلى هذا الخراب؟..الحقيقة لا تهدد المجتمع السليم، بل تشفيه. الذي يهدد المجتمع حقًا هو تراكم الأكاذيب حتى تتحول إلى جدار يفصل الناس عن الواقع. وعندما ينفصل مجتمع عن واقعه يبدأ في اتخاذ قرارات خاطئة، وانتخاب رموز زائفة، وتقديس أسباب هزيمته، ومعاداة من يحاول إنقاذه. هنا يصبح المرض عميقًا، لأن المريض لا يعترف أصلًا بأنه مريض.إن السؤال الأدق ليس: هل الحقيقة خطر على المجتمع؟ بل: أي مجتمع هذا الذي يخاف من الحقيقة؟ المجتمع الواثق من نفسه يعتبر النقد فرصة، والمراجعة قوة، والاعتراف بالخطأ بداية نضج. أما المجتمع المرتعش فيرى في كل مرآة مؤامرة، وفي كل مفكر تهديدًا، وفي كل اختلاف حربًا. الأول ينمو لأنه يواجه نفسه، والثاني يذبل لأنه يهرب منها.
الحقيقة قد تجرح، نعم، لكنها جرح الجراح الذي يفتح موضع الداء لينقذ الجسد، لا طعنة القاتل التي تتركه ينزف. قد تهدم أصنامًا، لكنها لا تهدم الإنسان إلا إذا كان الإنسان قد اختار أن يعيش داخل صنمه. وما من نهضة حقيقية قامت على خداع طويل، ولا من عدالة استقرت فوق أرض مزيفة، ولا من كرامة سكنت بيتًا أساسه الإنكار.
لذلك تبقى الحقيقة، رغم قسوتها أحيانًا، أقل خطرًا من الكذبة المريحة. فالكذبة تمنح وسادة لليلة واحدة، ثم تسرق العمر كله، أما الحقيقة فقد تسلب نومك لبعض الوقت، لكنها تمنحك صباحًا يستحق أن يُعاش.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.


المزيد.....




- شاهد.. رد فعل مؤثر لمسؤولة أمريكية بعد حادثة قتل أب 7 من أبن ...
- كريستينا أغيليرا تخطف الأضواء بإطلالة جريئة على السجادة الحم ...
- مصر.. أول تعليق لوزارة الخارجية على وفاة مواطن في دبي
- بكين -قلقة- من سيطرة القوات الأميركية على سفينة إيرانية
- حرب إيران ـ غموض بشأن الجولة الثانية من مفاوضات باكستان
- الجيش الإسرائيلي يقر بتحطيم أحد جنوده تمثالا للمسيح في جنوب ...
- القوات الأمريكية تسيطر على سفينة إيرانية وطهران تقول: لا خطة ...
- الجيش الإسرائيلي يحذر سكان نحو 80 قرية في جنوب لبنان من العو ...
- هل تتحول أزمة الوقود إلى كابوس جديد لشركات الطيران الأوروبية ...
- تسونامي بارتفاع 80 سنتيمترا يضرب شمال اليابان إثر زلزال عنيف ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟