أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العروبة شرف لا يُعتذر عنه.














المزيد.....

العروبة شرف لا يُعتذر عنه.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 09:22
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست العروبة بطاقة هوية تُخفى في الجيوب حين تضيق بنا المسافات، ولا لافتة تُرفع في المواسم ثم تُطوى مع انطفاء الحماسة، بل هي ذلك الامتداد العميق في الروح، حيث تتشكل القيم قبل الأسماء، وتُصاغ الكرامة قبل الحدود. العروبة ليست تهمة يُدافع عنها، بل كرامة يُرتقى بها، غير أن زمنًا مضطربًا جعل بعض أبنائها يقفون منها موقف المتهم من نفسه، كأن الانتماء خطيئة، وكأن الجذور عبء ينبغي التنصل منه لا الارتكاز عليه.وهنا يبدأ الخلل لا في العروبة، بل في المرآة التي ننظر بها إليها. فمن رأى التخلف في واقعه، ظن أنه صفة في هويته، ومن عجز عن النهوض، بحث عن شماعة يعلق عليها كسله، فوجدها في انتمائه، يلعنه بدل أن يفهمه، ويهرب منه بدل أن يصححه. والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن العروبة لم تكن يومًا مشروع ضعف، بل كانت مشروع معنى؛ معنى الإنسان الذي يزن نفسه بميزان الشرف، لا بميزان الربح، ويقيم وجوده على الوفاء لا على المصلحة.العروبة في أصلها أخلاق قبل أن تكون نسبًا، ومكارم قبل أن تكون خطابًا. هي تلك الروح التي جعلت الكرم دينًا غير مكتوب، والنجدة فريضة بلا نص، والشهامة قانونًا لا يحتاج إلى سلطة. لم يكن العربي يُقاس بما يملك، بل بما يعطي، ولا بما يقول، بل بما يثبت عند الشدائد. ومن هنا كانت هيبته، لا من سيفٍ يرفعه، بل من ضميرٍ يحمله.ولم يكن هذا المعنى مجرد حكاية تُروى، بل تجلّى في أدبٍ حمل ملامح الروح العربية بكل صدقها وكبريائها. يكفي أن نستحضر قول المتنبي:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
فذلك البيت ليس مجرد مفاخرة، بل فلسفة كاملة في العلو، في رفض الدون، في أن الكرامة ليست خيارًا بل قدرًا يُصنع بالإرادة. هكذا كانت العروبة: نزوعًا دائمًا نحو الأعلى، لا نحو الاعتذار عن الذات.أما الذين يروّجون لفكرة أن الانتماء إليها تخلف، فهم في الغالب ضحايا قراءة سطحية للتاريخ، أو أسرى لواقع مشوّه أسقطوه على الأصل. إنهم لا يفرقون بين العروبة كقيمة، وبين ما آل إليه حال بعض أبنائها. يخلطون بين المرض والجسد، ثم يقررون أن الجسد هو المشكلة. والحقيقة أن التخلف ليس قدر هوية، بل نتيجة انقطاع عنها؛ انقطاع عن قيمها التي كانت يومًا تصنع التوازن بين القوة والعدل، بين الكبرياء والتواضع، بين الحرية والمسؤولية.العروبة التي نفاخر بها ليست تلك التي ترفع الشعارات، بل التي تربي الضمير. ليست تلك التي تتغنى بالماضي، بل التي تستلهمه لتبني الحاضر. ليست تلك التي تنغلق على ذاتها، بل التي تحمل قيمها إلى العالم بثقة لا بتعصب. فمن فهم العروبة بهذا العمق، أدرك أنها ليست ضد الحداثة، بل ضد التفاهة؛ ليست ضد التقدم، بل ضد الذوبان.وما أشد المفارقة حين ترى من يعتذر عن عروبته بلغةٍ عربية، ويهاجم جذوره بأدواتٍ صاغتها تلك الجذور. كأنما يقف على الأرض نفسها التي ينكرها. هؤلاء لم يثوروا على التخلف، بل على أنفسهم، ولم يتحرروا من القيود، بل استبدلوها بفراغ.إن الانتماء الحقيقي لا يعني أن نُقدّس أخطاءنا، بل أن نمتلك شجاعة إصلاحها دون أن نهدم البيت على رؤوسنا. أن ننتقد الواقع، لا أن نلعن الأصل. أن ننهض بالعروبة، لا أن ننسحب منها. فالهويات لا تُشفى بالإنكار، بل بالفعل.العروبة ليست تهمة لأن الكرامة لا تكون تهمة، ولأن الأخلاق لا تُدان، ولأن التاريخ الذي كُتب بالشهامة لا يُمحى بسوء حاضر. إنها مسؤولية، نعم، لكنها أيضًا فرصة؛ فرصة لأن نكون امتدادًا لقيمٍ عظيمة، لا مجرد ظلال باهتة لها.وفي زمن تتشظى فيه الهويات وتضيع المعايير، يبقى الانتماء الصادق هو ذلك الذي يمنح الإنسان معنى، لا ذريعة. والعروبة، لمن فهمها، ليست قيدًا، بل جناح. ليست ماضيًا نُرثيه، بل طاقة نُحيي بها ما يستحق الحياة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .


المزيد.....




- كرة لهب هائلة وانبعاثات سامة.. شاهد آثار هجوم أوكراني على مص ...
- دعابة تلو الأخرى.. شاهد لقطات طريفة من خطاب الملك تشارلز أما ...
- أوبك وكيف أثر إعلان انسحاب الإمارات على أسعار النفط؟
- -أزالوا منزلنا ودمّروه بالرغم من أن زوجي يقاتل في جبهات القت ...
- الحوادث الأمنية.. هل تمنح ترامب مكاسب سياسية؟
- الكاكاو بديلًا عن القهوة… كيف تبدأ يومك بنشاط؟
- مصر: القاهرة تسترجع سهراتها الليلية بعد رفع إجراءات ترشيد اس ...
- تفاصيل صعود مشاة البحرية الأمريكية إلى سفينة تجارية قبالة با ...
- أطفال رُضّع مقيّدون داخل حضانة بإندونيسيا.. فما القصة وراء ه ...
- ترمب: الملك تشارلز يرفض امتلاك إيران سلاحا نوويا


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العروبة شرف لا يُعتذر عنه.