أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الباكية.














المزيد.....

بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الباكية.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 09:10
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا الزمن الذي يتقن صناعة الواجهات أكثر مما يفهم جوهر الأشياء، لم يعد الزواج ذلك القرار العميق الذي يُشبه زرع شجرةٍ في أرضٍ تُنتظر مواسمها، بل صار أقرب إلى شراء باقة وردٍ من بائعٍ متجول؛ جميلة في لحظتها، عابرة في عمرها، ومصيرها الذبول عند أول اختبارٍ للحرارة، وكأن الإنسان لم يعد يسأل: هل هذه حياة أستطيع أن أبنيها؟ بل يسأل بخفةٍ تليق بعصر السرعة: هل تُعجبني الآن؟ وهل تُشبعني؟ وهل تُشبه ما أراه في صور الآخرين؟ وهنا تحديدًا تبدأ المأساة وهي تضحك، لأننا نستبدل السؤال الأخلاقي العميق بسؤالٍ استهلاكي سطحي، ثم نتفاجأ أن النتائج جاءت على مقاس الأسئلة لا على مقاس الأحلام.لقد تحوّل الاختيار من فعلٍ فلسفيٍّ يتطلب وعيًا وبصيرة إلى ردّة فعلٍ عاطفية سريعة، أشبه بضغط زر إعجابٍ على صورةٍ عابرة، فالرجل لم يعد يبحث عمّن تُشاركه الطريق، بل عمّن تُشبه خياله المؤقت، والمرأة لم تعد تختار من يُحتمل أن يكون شريك حياة، بل من يُجيد تمثيل الدور في مشهد البداية، وهكذا يدخل الاثنان إلى الزواج وهما يحملان تصوّراتٍ لا علاقة لها بالحياة، كأنهما ذاهبان إلى عرضٍ مسرحي لا إلى معركةٍ يومية تتطلب صبرًا وأخلاقًا وقدرة على الاحتمال، ثم حين يسقط الستار الأول، يكتشف كلٌّ منهما أن الآخر لم يكن سوى صورةٍ محسّنة لواقعٍ لم يفكرا فيه أصلًا، فيجلسان مذهولين أمام الحقيقة كطفلين اشتريا لعبةً لامعة فاكتشفا أنها فارغة من الداخل.والمثير للسخرية أن الجميع يتحدث اليوم عن “الحقوق” وكأن الزواج شركة مساهمة، لكل طرفٍ فيها أسهمه وشروطه ونسبة أرباحه، بينما الحديث عن “الواجب” يبدو وكأنه من مخلفات زمنٍ قديم لا يليق بعصر الحرية، مع أن الحقيقة البسيطة التي لا يحب أحد سماعها هي أن العلاقة التي تُبنى على ما نأخذه فقط لا يمكن أن تصمد، لأن الأخذ دون عطاء ليس علاقة بل استنزاف متبادل مغلف بكلماتٍ جميلة، وهنا تحديدًا تتسلل الأزمة بهدوء، إذ يتحول كل طرفٍ إلى محاسبٍ دقيق، يُحصي ما له وينسى ما عليه، حتى يصبح البيت دفتر حسابات لا بيت حياة.ثم تأتي لحظة الانكشاف، حين تذبل الرغبة قليلًا، ويهدأ الاندفاع، وتبدأ الحياة الحقيقية بثقلها المعروف، فيكتشف الرجل أن الجمال لا يكفي لبناء يومٍ كامل، وتكتشف المرأة أن الكلمات الجميلة لا تحلّ مشكلات الواقع، وهنا يتسلل السؤال الذي كان يجب أن يُطرح منذ البداية: هل اخترنا بوعي أم بانبهار؟ لكن السؤال يأتي متأخرًا كعادته، بعد أن تكون المشاعر قد استُهلكت، والصبر قد نضب، والقدرة على الاحتمال قد تآكلت، فيتحول الزواج إلى مساحة ضيقة يختنق فيها الطرفان، لا لأن الحياة قاسية فقط، بل لأن الأساس الذي بُني عليه لم يكن صالحًا من البداية.وهنا يدخل الطلاق، ليس كحلٍ استثنائي، بل كخيارٍ سهلٍ متاحٍ في أي لحظة، كأن العلاقة زرّ يمكن الضغط عليه لإيقاف كل شيء، دون أن ينتبه أحد إلى أن ما ينكسر في الداخل لا يُعاد تشغيله بهذه البساطة، وأن النهاية لا تمحو ما قبلها بل تتركه معلقًا في النفوس، والأشد إيلامًا أن الأطفال، الذين لم يختاروا شيئًا من هذا كله، يتحملون نتائج قرارات لم يُستشاروا فيها، فيكبرون وهم يحملون سؤالًا صامتًا: لماذا لم ينتظروا حتى يصبحوا مستعدين لنا؟.. والأعجب من كل ذلك، أن التبرير حاضر دائمًا بعبارته الجاهزة: “هذا حلال”، وكأن الحلال أصبح رخصةً لاستخدام كل شيء بلا تفكير، مع أن الحكمة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن ليس كل ما يُسمح به يُفعل، فهناك أشياء نتركها رغم جوازها لأن نتائجها مؤذية، ولأن الأخلاق لا تُقاس بما هو متاح، بل بما هو أصلح، لكن يبدو أن هذه الفكرة لم تعد جذابة في زمنٍ يريد كل شيء فورًا، بلا انتظار، بلا تضحية، بلا ثمن.إن ما نعيشه اليوم ليس أزمة زواج بقدر ما هو أزمة وعيٍ في الاختيار، فحين يُختزل الإنسان في مظهره، وتُختزل العلاقة في رغبة، وتُختزل الحياة في لحظة إعجاب، يصبح من الطبيعي أن تنهار الأشياء بسرعة، لأن ما بُني على السطح لا يمكنه مقاومة العمق، وما تأسس على الانبهار لا يصمد أمام الحقيقة، وهنا تكمن المفارقة الساخرة التي تستحق التأمل: الجميع يبحث عن شريكٍ مثالي، لكن القليل فقط يسأل نفسه إن كان هو مستعدًا ليكون ذلك الشريك.وفي النهاية، لا يبدو أن المشكلة في الزواج نفسه، بل في الطريقة التي ندخله بها، وفي الصورة التي نحملها عنه، وفي الأخلاق التي غابت عن لحظة الاختيار، فحين يصبح القرار مصيريًا بهذا الحجم، لا يكفي أن يكون جميلًا، بل يجب أن يكون صحيحًا، ولا يكفي أن يُشبه الحلم، بل يجب أن يحتمل الواقع، لأن الحياة، بكل بساطة، لا تُدار بالإعجاب… بل تُبنى بالوعي، ومن لم يفهم هذه الحقيقة سيظل ينتقل من بدايةٍ إلى نهاية، وهو يظن أن الخلل في الطريق، بينما الخلل في الخطوة الأولى.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .


المزيد.....




- -على غرار قناة السويس-.. إيران تتطلع إلى مصدر جديد للقوة في ...
- هل يكتب تحالف الانفصاليين والجهاديين في مالي نهاية النظام ال ...
- بلغاريا تفوز بيوروفيجن وإسرائيل تحتل المركز الثاني
- هل ينجح ماكرون في تمويل جهود الاتحاد الأفريقي لإرساء السلام ...
- صحافة بلا صور فضائية.. كيف أربكت حرب إيران صحافة المصادر الم ...
- ضربة عسكرية لإيران أم تسوية؟.. خلافات داخل إدارة ترمب تخرج ل ...
- مظاهرات في مدن ألمانية عدة لإحياء ذكرى النكبة الفلسطينية
- هل هذا أكثر مطعم تفرّدًا في أمريكا؟ كل زاوية فيه مغطاة بأكثر ...
- طهران تغلق مضيق هرمز أمام المعدات العسكرية.. وموسكو لواشنطن ...
- فوز بلغاريا بمسابقة -يوروفيجن- للأغنية الأوروبية وإسرائيل تح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الباكية.