أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - صدقة المذهب وجوع الإنسان .














المزيد.....

صدقة المذهب وجوع الإنسان .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 08:47
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا الشرق المتخم بالشعارات، لا يموت الإنسان من الجوع وحده، بل يموت أحيانًا من سوء التصنيف. فقبل أن تُمد إليه يد العون، يُسأل عن اسمه، ثم عن مذهبه، ثم عن نسبه، ثم عن الجهة التي يصلي نحوها، ثم يُترك بعدها ليكمل موته بسلام. لقد صار الخبز نفسه يحمل بطاقة هوية، وصارت المساعدة تحتاج إلى شهادة انتماء، وأصبح الجائع مطالبًا بأن يثبت أنه مناسب لذائقة المتبرعين.ما أعجب هذا الزمن، حين تتحول الرحمة إلى دائرة انتخابية، ويصبح الإحسان مشروعًا صغيرًا لإدارة النفوذ، وتغدو الصدقة استثمارًا طويل الأمد في سوق الأتباع. هناك من يبكي بحرقة على مأساة تبعد آلاف الكيلومترات، لكنه يمر بجوار بيوت منكوبة في وطنه كما يمر السائح أمام أطلال لا تعنيه. يفتح خزائنه لدموع بعيدة، ويغلق قلبه أمام أنين قريب، وكأن المسافة الجغرافية أرحم من المسافة الفكرية.ليس السؤال هنا: لماذا تبرع لهذا أو لذاك؟ فالعطاء في أصله فضيلة أينما اتجه، وإغاثة الملهوف شرف لا يُلام عليه أحد. السؤال الحقيقي هو: لماذا يصبح الإنسان مرئيًا في مكان، وغير مرئي في مكان آخر؟ لماذا يسمع المتبرع صرخة هناك، ويصاب بالصمم هنا؟ لماذا تتحرك الأموال حين يوافق المحتاج هوية الجماعة، وتتجمد حين ينتمي إلى ضفة أخرى من الوطن؟.. لقد اخترعنا نوعًا جديدًا من الاقتصاد يمكن تسميته "اقتصاد الطائفة"، حيث تُوزع الرحمة بحسب الانتماء، ويُقاس الألم بمسطرة العقيدة، وتُمنح النجدة وفقًا لقربك من سردية الجماعة. أما الإنسان المجرد من كل هذه اللافتات، فمكانه المعتاد هو الانتظار؛ ينتظر ضميرًا لم يصل بعد، أو عدلًا ضل الطريق، أو يدًا لا تسأل كثيرًا.
وفي مشهد بالغ السخرية، نرى بعضهم يتحدث عن وحدة الأمة وهو عاجز عن مصافحة شريكه في الوطن. يرفع راية الإنسانية في المؤتمرات، ثم يطويها عند أول زقاق مختلف. يكتب منشورات طويلة عن المظلومية الكونية، لكنه لا يلتفت إلى مظلوم يجاوره في الحي نفسه. كأن الإنسانية عنده جواز سفر مؤقت، يستخدمه عند الحاجة الإعلامية ثم يعيده إلى الدرج.إن أخطر ما فعلته العصبيات أنها لم تقسّم الأرض فقط، بل قسّمت المشاعر أيضًا. صار التعاطف انتقائيًا، والحزن موسميًا، والدمعة مرتبطة بجدول الولاءات. بعض المآسي تملك حق البث المباشر، وبعضها يُدفن بصمت لأن ضحاياها لا يملكون الرمز الصحيح. وهكذا يتحول الألم إلى منافسة، لا إلى قضية.وما أشد مرارة الفقير حين يكتشف أن فقره ليس المشكلة، بل هويته. وأن حاجته ليست كافية، وأن جوع أطفاله لا يُعتمد ما لم يكن مختومًا بختم الجماعة. عندها يفهم أن العالم لم يفشل في إنقاذه فقط، بل فشل أولًا في الاعتراف بإنسانيته.
لو كانت الرحمة صادقة، لما سألت أحدًا من أنت. ولو كان العطاء نقيًا، لما فرّق بين خيمة وخيمة، ولا بين لهجة ولهجة، ولا بين مسجد ومسجد. فالدموع لا مذهب لها، والجوع لا طائفة له، والنزوح لا ينتمي إلى مدرسة فقهية. الطفل الذي ينام بلا عشاء لا يعرف شيئًا عن كتب الكلام، والأم التي تبحث عن دواء لا تسأل عن تاريخ الخلافات.لكننا في زمن عجيب، صار فيه الإنسان آخر ما يُنظر إليه. تُقدَّم الرايات عليه، وتُفضَّل الشعارات عليه، وتُفتح المخازن للأفكار قبل الأفواه. لذلك لا غرابة أن يكثر الواعظون ويقل الرحماء، وأن تتسع صناديق التبرع وتضيق القلوب.
سيأتي يوم تُسقط فيه الحاجة كل الأقنعة، ويقف الجميع أمام الحقيقة البسيطة التي تجاهلوها طويلًا: أن من أطعم إنسانًا فقد أطعم العالم، ومن فرّق بين الجائعين فقد جاع ضميره أولًا. وحينها لن تُسأل الأموال أين ذهبت، بل ستُسأل القلوب لماذا تحجّرت، ولماذا رأت البشر طبقات، بينما خلقهم الله نفسًا واحدة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.


المزيد.....




- تقرير أمنستي لعام 2025: استمرار وتصاعد -السلوك الوحشي للأقوي ...
- ميونخ.. مختبر الأنظمة العسكرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
- إيران تطالب بـ-الإفراج الفوري- عن السفينة -توسكا- وطاقمها
- تحول تاريخي.. اليابان ترفع الحظر عن تصدير الأسلحة الفتاكة
- كيف تقود حرب إيران إلى تفكك تحالفات أمريكا وتراجع نفوذها الع ...
- السجن 5 سنوات لوزير الصناعة الجزائري السابق علي عون في قضية ...
- مجلس الأمن الدولي يدين مقتل جندي فرنسي في لبنان ويدعو للمحاس ...
- مفاوضات مرتقبة في باكستان بين واشنطن وطهران وسط توتر في هرمز ...
- 5 شهداء في غزة وبيان لحماس بشأن ترتيبات المرحلة الثانية
- فورين بوليسي: دول الجنوب تدفع ثمنا أعلى للحرب على إيران


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - صدقة المذهب وجوع الإنسان .