أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..














المزيد.....

العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 10:01
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا البلد الذي تعلّم أن يحصي جراحه كما تُحصي الأمهات أسماء أبنائهن الغائبين، لا يعود السؤال: من هو القاتل؟ بل: من الذي سمح له أن يصبح قدراً؟ فالأسماء في العراق تتغيّر، والوجوه تتبدّل، واللافتات تُطلى كل يوم بلون جديد، لكن الدم—ذلك السائل الصادق الوحيد—لا يكذب، ولا يعترف إلا بحقيقة واحدة: أن القاتل حين يُحمى، يتحوّل إلى نظام.قصة “أبو درع” ليست قصة رجل، بل سيرة زمنٍ كاملٍ كان فيه القتل يُدار كما تُدار الشركات، له مكاتب ظل، وله سماسرة، وله حصص من الخوف تُوزّع على الأحياء كما تُوزّع الكهرباء في ليالي الصيف الخانقة. كان القاتل في تلك السنوات لا يحتاج إلى قناع، لأن الطائفية نفسها كانت قناعاً كافياً، وكان يكفي أن تنتمي إلى الجهة “الصحيحة” كي تُغفر لك كل الجرائم، أو إلى الجهة “الخطأ” كي تُدان ولو كنت بريئاً حتى من ظلّك.لكن المفارقة التي تثير السخرية المرّة، أن العراق لم يكن يوماً ضحية قاتلٍ واحد، بل ضحية فكرة كاملة عن القتل. فكرة تقول إن الدم يمكن أن يكون وسيلة سياسية، وإن الهوية يمكن أن تتحوّل إلى رخصة للذبح، وإن العدالة يمكن أن تُؤجَّل حتى إشعار آخر… إشعار لا يأتي أبداً.واليوم، حين تُتداول الأخبار عن اعتقال هذا الاسم الذي كان يوماً مرعباً، يبدو المشهد وكأنه فصل متأخر من مسرحية قديمة. الجمهور تعب من التصفيق، والممثلون حفظوا أدوارهم عن ظهر قلب، لكن النص لا يزال يُعاد. السؤال الذي يتسلّل كخيط دخان: هل نحن أمام نهاية حقبة، أم مجرد تغيير في توزيع الأدوار؟ماذا لو تغيّر اسم “أبو درع”؟ ماذا لو وُلد في جهة أخرى؟ هل كانت العدالة ستأخذ نفس الطريق المتعرّج، أم كانت ستصل مسرعةً على هيئة دبابات واعتقالات عشوائية وملفات جاهزة؟ في العراق، لا تُقاس الجرائم بحجمها، بل بهوية مرتكبها، وكأن الدم نفسه يحمل بطاقة تعريف.لقد عاش هذا البلد سنواتٍ كان فيها “المخبر السري” أقوى من الحقيقة، وكانت الشكوك تُكتب بلغة اليقين، وكان الأبرياء يُساقون إلى المجهول لأن أحدهم قرر أن يراهم مذنبين. كانت العدالة تمشي بعكازٍ مكسور، فيما الجريمة تركض بسيارات مصفحة.ولأن السخرية أحياناً أكثر صدقاً من البكاء، يمكن القول إن العراق نجح نجاحاً باهراً في إنتاج القتلة، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في إنتاج العدالة. فهنا، لا يُسأل القاتل: لماذا قتلت؟ بل: مع من كنت؟ ومن كان يحميك؟ وكأن الجريمة ليست فعلاً فردياً، بل عقد شراكة بين الدم والسياسة.إن الحديث عن بداية مرحلة جديدة يبدو جميلاً، لكنه في العراق يشبه إعلان الربيع في صحراء لم تُدفن فيها بعد جثث الشتاء. فالمشكلة لم تكن يوماً في شخصٍ بعينه، بل في البنية التي تسمح له أن يعيش، أن يتمدّد، أن يتحوّل إلى أسطورة خوف، ثم—عند الحاجة—إلى خبر عاجل.وحين نقول إن “من يحمي القاتل قاتل”، فنحن لا نطلق حكمة أخلاقية، بل نصف واقعاً سياسياً. فالحماية هنا ليست مجرد تستر، بل هي صناعة كاملة، تبدأ بالتبرير، وتمرّ بالصمت، وتنتهي بالتكريم أحياناً.
أما ذلك الاكتشاف المتأخر، بأن الإرهاب بمختلف أسمائه وتياراته يتغذى من منبع واحد، فهو ليس اكتشافاً بقدر ما هو اعتراف متأخر بحقيقة كان يعرفها الضحايا منذ اللحظة الأولى. الضحية لا تسأل عن اسم قاتلها، بل عن سبب تركه حراً كل هذا الوقت.العراق اليوم يقف أمام مرآة مثقلة بالوجوه. وجوه القتلة، ووجوه الضحايا، ووجوه الذين كانوا يصفقون في الظل. والسؤال ليس إن كان هذا البلد سيدخل مرحلة جديدة، بل إن كان مستعداً أخيراً للاعتراف بأن العدالة لا تُبنى بالانتقائية، وأن الوطن لا يُرمَّم بالذاكرة المثقوبة.ربما آن الأوان أن يفهم العراق درساً بسيطاً، لكنه مكلف: أن القتلة لا ينتهون باعتقال واحد، وأن الحقيقة لا تظهر ببيان رسمي، وأن الأوطان لا تُشفى إلا حين يُحاسَب الجميع، بلا استثناء، بلا هوية، بلا أعذار.وحتى يحدث ذلك، سيبقى العراق يبدّل أسماء القتلة، لكنه يحتفظ بالجريمة نفسها… كأنها إرثٌ لا يريد أن يتخلّى عنه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .


المزيد.....




- مع زيارة ترمب هكذا أصبحت الصين ترى الجيش الأمريكي
- إسرائيل تتجه لانتخابات مبكرة.. الائتلاف الحاكم والمعارضة يتس ...
- من المواكب إلى الطعام.. ماذا نعرف عن تأمين زيارة ترمب إلى ال ...
- ائتلاف نتانياهو يبادر بمقترح لحل الكنيست ويدفع إسرائيل نحو ا ...
- -فيرون- لديه الإجابة عن سبب فشل المفاوضات بين أمريكا وإيران ...
- بعد فقدان أميركيين.. المغرب يعلن العثور على -الجثة الثانية- ...
- روبيو يكشف أهداف ترامب من رحلة بكين.. وإيران في صدارتها
- -نحتفظ بحق الرد-.. طهران تطالب الكويت بالإفراج عن 4 إيرانيين ...
- إيران: الحصار يلقي بظلاله على القدرة الشرائية للمواطنين
- غيرت موقفها للمرة الأولى.. موركوفسكي تقود منعطفا جمهوريا بال ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..