أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قدر.














المزيد.....

أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قدر.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 16:45
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة التي تتكسّر فيها المعاني على صخور الواقع، لا يعود الشعر ترفًا لغويًا، بل يصبح ضرورة وجودية، أشبه بمحاولة أخيرة لإنقاذ الروح من الغرق في العدم. ومن بين هذه الأزمنة خرج صوت أنس إبراهيم الدغيم، لا كشاعرٍ عابرٍ في دفتر اللغة، بل ككائنٍ تشكّل من رماد الحكاية السورية، وارتدى القصيدة درعًا، والكلمة موقفًا، والمنفى قدرًا لا مهرب منه.ليس من السهل أن نفصل هذا الشاعر عن مدينته جرجناز، تلك البلدة التي لا تُقرأ جغرافيًا بقدر ما تُفهم كطبقةٍ من التاريخ المتراكم في الذاكرة العربية. جرجناز ليست مجرد أرضٍ تُزرع بالزيتون والتين، بل نصٌّ مفتوح على الزمن، فيه تتجاور الحثية مع البيزنطية، والدير مع الحقل، والأسطورة مع الفلاح. إنها مدينة تعرف كيف تحفظ اللغة في أفواه أبنائها، كما تحفظ التراب في كفّ الزارع، ولذلك لم يكن غريبًا أن يخرج منها شاعر يحمل في صوته صدى القرون، وفي لغته صفاء البدايات.في شعر أنس الدغيم، لا نجد مجرد انفعال عاطفي، بل نلمح صراعًا فلسفيًا عميقًا بين الإنسان وقدره. هو شاعر لا يكتب ليصف، بل ليواجه. يكتب لأن الصمت خيانة، ولأن اللغة آخر ما تبقى من الوطن حين يُسلب كل شيء. هنا يتحوّل الشعر إلى شكلٍ من أشكال المقاومة، لا بالسلاح، بل بالمعنى؛ لا بالرصاص، بل بالوعي.لقد تشكّل وعيه في لحظة تاريخية حاسمة، هي ما عُرف بـالثورة السورية، تلك اللحظة التي أعادت تعريف الإنسان في علاقته مع السلطة، ومع الحرية، ومع ذاته. لم يكن الدغيم شاهدًا محايدًا على هذه اللحظة، بل كان جزءًا منها، منحازًا بكل وضوح إلى فكرة الحرية، ومؤمنًا بأن الكلمة قادرة على فضح القمع، حتى لو لم تستطع إسقاطه.لكن المثير في تجربته ليس هذا الانحياز فحسب، بل الطريقة التي صاغ بها هذا الانحياز شعريًا. فهو لم يسقط في فخ المباشرة الفجّة، رغم وضوح خطابه، بل حاول أن يخلق توازنًا بين الجمالي والسياسي، بين القصيدة كفن، والقصيدة كبيان. وهنا تكمن إشكاليته وفرادته في آنٍ معًا: إنه شاعر يسير على حافة التوتر بين الإبداع والتعبئة، بين الرمز والخطاب، بين الحلم والواقع.وإذا كانت المدن تصنع أبناءها، فإن الدغيم أعاد بدوره تشكيل مدينته في نصوصه. جرجناز في شعره ليست مكانًا، بل ذاكرة، ليست جغرافيا، بل هوية. إنها الأم التي لم تغادره، حتى حين غادرها. في كل قصيدة، ثمة ظلّ لتلك الأرض، وثمة رائحة زيتون، وثمة حنين إلى صوتٍ قديم يناديه من بعيد.ومن هنا يمكن أن نفهم كتابه «المجالس» لا كعنوانٍ عابر، بل كفكرة فلسفية. فالمجلس في الثقافة العربية ليس مجرد مكان للجلوس، بل فضاء للحوار، للتفكير، لتداول المعنى. إنه المكان الذي تُبنى فيه الأفكار كما تُبنى البيوت، بالحوار لا بالصمت. وكأن الدغيم، في هذا العنوان، يحاول أن يقول إن الشعر نفسه مجلسٌ كبير، يجتمع فيه التاريخ والإنسان، الذاكرة والمنفى، الألم والأمل.في «المجالس»، تتحول القصيدة إلى مساحة للتأمل الجماعي، لا الفردي فقط. لم يعد الشاعر يتحدث من برجٍ عاجي، بل من ساحةٍ مفتوحة، حيث تتقاطع الأصوات، وتتداخل الحكايات. وهذا ما يمنح تجربته بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الجغرافيا السورية، ليصل إلى كل إنسانٍ اختبر معنى الفقد، أو عاش تجربة المنفى، أو حلم بوطنٍ أكثر عدلًا.المنفى، في تجربة الدغيم، ليس مجرد انتقال مكاني، بل انكسار في البنية الوجودية للإنسان. هو سؤال مفتوح: ماذا يبقى منك حين تُنتزع من أرضك؟ هل تظل أنت، أم تصبح نسخة مؤجلة من ذاتك؟ في ديوانه «المنفى»، نلمح هذا السؤال يتكرّر بصيغٍ مختلفة، وكأن الشاعر يحاول أن يعيد تركيب ذاته عبر اللغة، أن يبني وطنًا بديلًا من الكلمات، حين يعجز عن العودة إلى الوطن الحقيقي.
ومع ذلك، لا يسقط في اليأس الكامل. ثمة دائمًا خيط رفيع من الأمل، لكنه ليس أملًا ساذجًا، بل أمل يعرف ثمنه جيدًا. أمل يولد من الألم، لا رغمًا عنه. وهذا ما يجعل شعره قريبًا من التجربة الإنسانية العميقة، بعيدًا عن الشعارات الجوفاء.يمكن القول إن أنس الدغيم هو ابن لحظةٍ تاريخية، لكنه في الوقت نفسه يتجاوزها. لأنه لم يكتفِ بتسجيل الحدث، بل حاول أن يفهمه، أن يفككه، أن يمنحه بعدًا إنسانيًا وفلسفيًا. وهذا ما يجعل شعره قابلًا للبقاء، لا لأنه مرتبط بزمنٍ معين، بل لأنه يطرح أسئلة تتجاوز الزمن.في النهاية، لا يمكن قراءة أنس الدغيم كشاعر فقط، بل كظاهرة ثقافية تشكّلت في قلب العاصفة. هو نتاج مدينةٍ عريقة، وتاريخٍ مثقل، وثورةٍ لم تكتمل، ومنفى لم ينتهِ. وبين كل هذه التناقضات، يكتب… لا ليجد إجابة، بل ليبقي السؤال حيًا.وهنا، تحديدًا، تكمن قيمة الشعر. ليس في أن يقول الحقيقة، بل في أن يجعلنا نبحث عنها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...


المزيد.....




- لحظة انقطاع كابل لعبة -المقلاع- في الهواء بمدينة ملاهي في إس ...
- كيف سيكون الأثر المباشر على الإمارات بخروجها من أوبك؟ سهيل ا ...
- ماذا يعني انسحاب الإمارات من -أوبك- للولايات المتحدة؟
- الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة وسط مساعٍ حكومية لتمرير قوا ...
- الجنائية الدولية تقر تعويضات لآلاف الضحايا في -قضية الحسن- و ...
- تفجير نفق بكميات كبيرة من المتفجرات.. إسرائيل تتعهد بتدمير ك ...
- تحت غطاء المسيرات.. 20 آلية إسرائيلية تتوغل في درعا وتفتش مق ...
- كيف أذكت حرب إيران المزاعم الزائفة عن -سرقة الغيوم-؟
- -حبوب مسروقة؟- توتر أوكراني -إسرائيلي والاتحاد الأوروبي يدخل ...
- إندونيسيا: 14 قتيلا على الأقل إثر تصادم قطارين بالقرب من الع ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قدر.