أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-














المزيد.....

شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 22:54
المحور: قضايا ثقافية
    


"
في هذا الزمن الذي تتكاثر فيه الشاشات كما تتكاثر المرايا في بيتٍ مهجور، لم يعد السؤال: ماذا نرى؟ بل: هل ما نراه حقيقي أصلًا؟ لقد تحوّل الإعلام العربي، في كثير من تجلياته، من نافذةٍ تُفتح على العالم إلى جدارٍ يُعاد طلاؤه كل صباح بلونٍ جديد، بينما الشقوق في داخله تتسع بصمتٍ مخيف. لم يعد الكذب صدمة، بل صار أسلوبًا، ولم تعد الحقيقة غاية، بل تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه حين تتعارض مع المصلحة أو السلطة أو السوق.المأساة ليست في وجود إعلام منحاز، فكل إعلام في العالم يحمل شيئًا من الانحياز، لكن الكارثة حين يفقد الإعلام حياءه، حين يتخلى عن ذلك الحد الأدنى من الشرف المهني الذي كان يجعله،حتى وهو يميل، يحاول أن يقف مستقيمًا أمام ضميره. اليوم، يبدو المشهد وكأن الضمير ذاته قد أُحيل إلى التقاعد، وحلّت مكانه لغة باردة لا تعرف سوى الأرقام، والمشاهدات، والتوجيهات القادمة من غرفٍ لا تُرى لكنها تتحكم بكل شيء.المتلقي العربي لم يعد ساذجًا كما يظن بعض صُنّاع الخطاب، بل صار يشبه ذلك الرجل الذي يبتسم وهو يعلم أنه يُخدع، لكنه لا يملك ترف المواجهة. هو يدرك أن كثيرًا مما يُبث ليس سوى روايات مُفبركة أو نصف حقائق، لكنه يعيش حالةً من الإرهاق المعرفي، حيث تتزاحم عليه الروايات إلى درجة يفقد معها القدرة على التمييز، فيستسلم لا اقتناعًا، بل عجزًا. وهنا تتجلى أخطر نتائج فقدان المصداقية: ليس أن يصدق الناس الكذب، بل أن يتوقفوا عن البحث عن الحقيقة أصلًا.لقد أصبح الإعلام، في لحظات كثيرة، أشبه بسوقٍ صاخب، تُعرض فيه الأخبار كما تُعرض السلع، يُعاد تغليفها، وتُزيَّن عناوينها، وتُضخَّم تفاصيلها، لا لأن ذلك يخدم وعي الناس، بل لأنه يرفع نسب المشاهدة. وهنا يتبدل الدور من رسالة إلى تجارة، ومن مسؤولية إلى صفقة. الكلمة التي كانت تُكتب بوجلٍ وخوف من تأثيرها، تُلقى اليوم بلا اكتراث، كأنها رصاصة طائشة لا يهم من تصيب.
وفي قلب هذا المشهد، يقف الصحفي الحقيقي غريبًا، كمن يمشي عكس التيار في نهرٍ جارف. إما أن يساوم فيخسر نفسه، أو يتمسك بما تبقى من قناعاته فيُقصى ويُهمَّش. وهكذا يتحول الصدق إلى عبء، والنزاهة إلى تهمة غير معلنة، بينما يُكافأ الانصياع ويُحتفى بمن يجيد تزييف الواقع بمهارة فنية.ليست المشكلة فقط في من يصنع الرسالة، بل أيضًا في البنية التي تحتضنها. حين يصبح التمويل مشروطًا، والخط التحريري مرهونًا، والاستقلالية مجرد شعارٍ يُرفع في المناسبات، فإن الإعلام يفقد روحه تدريجيًا. لا يعود مرآةً للمجتمع، بل أداةً لإعادة تشكيله وفق رغبات من يملك القدرة على الدفع. وهنا يتحول الوعي الجمعي إلى مشروع قابل للتوجيه، وتصبح الحقيقة مجرد خيار من بين خيارات متعددة، لا ضرورة أخلاقية.ومع صعود الإعلام الرقمي، اتسعت الفجوة أكثر. لم تعد هناك بوابات تُنقّي، ولا معايير تضبط، بل انفجار هائل في المحتوى، تختلط فيه الحقيقة بالشائعة، والرأي بالمعلومة، والتحليل بالدعاية. صار كل فردٍ قادرًا على أن يكون منصة، لكن ليس كل منصة قادرة على أن تكون مسؤولة. وهكذا تتكاثر الأصوات، لكن المعنى يضيع بينها، كما تضيع قطرة ماء في بحرٍ هائج.إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس تضليلًا عابرًا، بل إعادة تشكيل عميقة لعلاقة الإنسان بالحقيقة. حين يفقد الناس ثقتهم بالإعلام، فهم لا يفقدون مصدرًا للمعلومة فحسب، بل يفقدون جزءًا من قدرتهم على فهم العالم. يصبح الواقع ضبابيًا، واليقين هشًا، والشك هو القاعدة. وفي مثل هذا المناخ، يسهل توجيه الجماهير، لا عبر الإقناع، بل عبر إغراقها في الفوضى.
ومع ذلك، لا يمكن أن تكون هذه النهاية. فكما أن الكلمة يمكن أن تُفسد، يمكنها أيضًا أن تُنقذ. ما يزال هناك من يكتب بصدق، ومن يبحث عن الحقيقة رغم كلفتها، ومن يؤمن أن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الناس والتاريخ. هؤلاء قلة، لكنهم يشبهون تلك الشموع الصغيرة التي ترفض أن تنطفئ، مهما اشتدت الريح.
إن استعادة المصداقية ليست مهمة تقنية تُحلّ بتعديل السياسات أو تحسين الأداء، بل هي معركة قيم. تبدأ من سؤال بسيط لكنه مؤلم: لماذا نكتب؟ إن كان الجواب هو إرضاء السلطة، أو إشباع السوق، أو ملاحقة الشهرة، فإن كل حديث عن المهنية يصبح مجرد قناع. أما إن كان الجواب هو البحث عن الحقيقة، مهما كانت قاسية، فإن الطريق، رغم صعوبته، يظل ممكنًا.في النهاية، الإعلام ليس ما يُقال فقط، بل ما يُصدَّق. وإذا استمر هذا الانفصال بين القول والتصديق، فإننا لا نكون أمام أزمة إعلام، بل أمام أزمة وعي كامل. وحينها، لن يكون الخطر في ما يُقال، بل في ما لم يعد أحدٌ يهتم بسماعه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .


المزيد.....




- برعاية أممية.. اتفاق بين الحوثيين والحكومة اليمنية لإطلاق سر ...
- البرلمان العراقي يمنح الثقة للزيدي وواشنطن وطهران ترحبان
- -بأشد الإجراءات-.. نتنياهو يعلن الحرب على نيويورك تايمز
- 4 شهداء بقصف إسرائيلي على شمال غزة
- حرب إيران مباشر.. استهداف كريات شمونة بالصواريخ وإسرائيل تتأ ...
- إسرائيل تتوعد لبنان وتلجأ للأسلاك الشائكة لمواجهة مسيّرات حز ...
- لعبة الوقت والمصالح.. 3 مسارات تتنبأ بمستقبل الملاحة في مضيق ...
- أزمة مضيق هرمز.. صراع الإرادات بين الجمود الدبلوماسي وخيار ا ...
- زخم متزايد لإزاحة ستارمر.. ماذا يحدث في بريطانيا؟
- قصة مونيكا ويت.. عميلة أميركية سابقا و-جاسوسة لإيران- حاليا ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-