أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .














المزيد.....

العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 13:39
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس من السهل أن تكتب عن وطنٍ يمشي على قدميه حافيًا، بينما تُقاس عليه أحذية الآخرين. وطنٌ كان يومًا يعلّم العالم كيف تُصاغ الحضارات من طين الأنهار، فإذا به اليوم يُدار كعربةٍ متهالكة، يمسك زمامها من لا يعرف الطريق، ولا يهمّه إن وصلت أم انقلبت بمن فيها.العراق… هذا الكائن الذي خاطب الغيم يومًا، لم يكن بحاجة إلى مترجمٍ ليفهم لغة السماء، لكنه الآن يحتاج إلى من يشرح له أبجديات الأرض. كيف تحوّل من شاعرٍ يكتب على ألواح الطين أول الحروف، إلى متلقي بياناتٍ سياسية تُكتب بلغةٍ لا تشبهه ولا تشبه وجعه؟نقف اليوم أمام مشهدٍ عبثي، أشبه بمسرحيةٍ بلا مخرج. سائق العربة لا يرى الطريق، لكنه يصرّ على القيادة، وتاجر الأوهام يبيع للناس أحلامًا منتهية الصلاحية، وصاحب الكأس مشغولٌ باحتساء لحظةٍ لا تعنيه إلا بقدر ما تمنحه من نشوةٍ عابرة. أما الشعب، ذلك الذي أنجب آلاف الطاقات والعقول، فقد صار يُستدعى فقط ليصفّق أو ليصمت، وكأن صوته ترفٌ زائد في بلدٍ اعتاد الضجيج دون معنى.
المفارقة ليست في الفشل، فالفشل مرحلةٌ بشرية، بل في الإصرار عليه كمنهج حكم. أن يُسلَّم بلدٌ بحجم العراق إلى الهامش، إلى أولئك الذين لم يقرأوا تاريخه إلا كخبرٍ عابر، فتلك ليست مصادفة، بل هندسة دقيقة للانحدار. هنا، لا تُدار الدولة، بل تُستهلك. تُؤكل كما تُؤكل الثمار قبل نضجها، ويُترك جذعها لينخره اليأس.العراق الذي أخرج من رحمه العلماء والشعراء والفلاسفة، يُحكم اليوم بعقليةٍ تخاف من النور. كأن الطاقات أصبحت عبئًا، والكفاءة تهمة، والوعي خطرًا ينبغي احتواؤه أو إقصاؤه. أي مفارقةٍ هذه؟ بلدٌ يُنتج الضوء، لكنه يُدار في الظلام.
في الشوارع، لا شيء يبدو ثابتًا سوى التعب. الوجوه متشابهة في انكسارها، والآمال تُؤجَّل كما تُؤجَّل الرواتب، والأحلام تُختصر إلى أمنياتٍ صغيرة: كهرباء لا تنقطع، وظيفة لا تُشترى، وطن لا يُباع بالمزاد. ومع ذلك، يُطلب من الناس أن يؤمنوا بأن العربة تسير نحو الأفضل، رغم أن صوت اصطدامها بالحفر يسبق أي خطابٍ رسمي.
أما السياسة، فقد تحوّلت إلى سوقٍ مفتوح، تُباع فيه المواقف كما تُباع الخضروات، مع فارقٍ بسيط: الخضروات قد تفسد إن طال بقاؤها، أما المواقف فلا عمر لها، لأنها وُلدت فاسدة. في هذا السوق، لا مكان للثوابت، ولا قيمة للمبادئ، فكل شيء قابل للتفاوض، حتى الوطن نفسه.
صاحب الكأس، في هذه الحكاية، ليس مجرد عابرٍ في المشهد، بل رمزٌ لطبقةٍ تتلذذ باللحظة، تضحك على حافة الانهيار، وتغني فيما السفينة تميل. لا يعنيه إن غرق الركّاب، ما دام الكأس ممتلئًا، وما دامت الموسيقى لم تنقطع. وهنا، تبلغ السخرية ذروتها: وطنٌ يُدار بين من لا يرى، ومن لا يشبع، ومن لا يشعر.لكن السؤال الذي يظل معلقًا في سماء هذا الخراب: كيف لبلدٍ خاطب الغيم أن يُدار بهذه الأرضية الثقيلة؟ كيف لمن كتب أول سطرٍ في التاريخ أن يُمحى بهذه السهولة من حاضره؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من تلك اللحظة التي سُلِّم فيها المفتاح لمن لا يعرف قيمة الباب.ورغم كل هذا، يبقى العراق عصيًّا على الانكسار الكامل. فيه شيءٌ يشبه المعجزة، شيءٌ يرفض أن يموت، حتى وهو محاطٌ بكل أسباب الموت. ربما لأن هذا البلد لم يُخلق ليكون تابعًا، بل ليكون أصل الحكاية. وربما لأن الذاكرة، مهما حاولوا تشويهها، لا تنسى شكل النور الأول.
إنها ليست أزمة حكمٍ فقط، بل أزمة معنى. أزمة وطنٍ يبحث عن نفسه بين سائقٍ لا يرى، وتاجرٍ لا يشبع، وصاحب كأسٍ لا يصحو. وبين هؤلاء، يقف العراق، كشيخٍ حكيمٍ أُجبر على الاستماع إلى صغارٍ يختلفون على إرثه، بينما هو يعرف أن الإرث أكبر منهم جميعًا.وهنا، لا يكون الحل في تغيير السائق فقط، بل في إعادة تعريف الطريق. في أن يدرك العراق أنه لم يُخلق ليُقاد، بل ليقود. وأن العربة، مهما اهترأت، يمكن أن تعود إذا أمسك زمامها من يعرف قيمة الوصول.وحتى ذلك الحين، سيبقى المشهد مفتوحًا على احتمالاتٍ مؤلمة، لكنها ليست نهائية. فالأوطان التي تُجيد البكاء، تُجيد النهوض أيضًا… والعراق، رغم كل ما فيه، ما زال يحتفظ بدمعةٍ لم تسقط بعد.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.


المزيد.....




- وزير الصحة السوري تعليقا على الغارات الأردنية: لا يمكن حماية ...
- بوتين يؤكد تطور التعاون مع قطر وأميرها يعول على دور روسيا في ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. رفض تمديد التصويت والاقتراع يتجه لك ...
- سيول جارفة تفاجئ المسافرين في مصر والسلطات ترفع حالة الطورائ ...
- إدارة ترامب تدرس رفع العقوبات المفروضة على صندوق الاستثمار ا ...
- روسيا تفرض عقوبات على مدراء مؤسسات عسكرية بريطانية
- لافروف: مسلحون أوكرانيون يخططون بدعم غربي لتنفيذ أعمال إرهاب ...
- مصر تصدر بيانا رسميا بعد إعلان إسرائيل اجتياز مصري للحدود
- 134 مليار طن من الجليد الساحلي تذوب خلال عقد واحد!
- حكومة إسرائيل المقبلة.. حرب إيران أولوية


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .