أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.














المزيد.....

اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 12:08
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا الزمن الذي تتداخل فيه المعايير كما تتداخل الظلال عند المغيب، لم يعد السؤال: ماذا نفعل؟ بل أصبح: لماذا نفعل ما نفعل؟ وكيف انقلبت أولوياتنا حتى صار الستر على الفعل المشين فضيلة تُساء قراءتها، بينما يتحول التطاول على المقدّس إلى مساحةٍ يتبارى فيها البعض تحت لافتة “البحث” و“التحقيق”؟.. إن المفارقة التي تثير التأمل، بل وتستدعي الوقوف طويلاً، هي أن الإنسان قد يتسامح مع الخطأ حين يقع في الواقع، بدافع الرحمة أو الستر أو حتى العجز، لكنه لا يتسامح مع النص المقدّس، ولا مع الرموز التي شكّلت ضمير الأمة، فيتعامل معها وكأنها ساحة مباحة للتشكيك، لا لضبط الفهم أو تعميق الإيمان.وهنا يظهر الخلل الحقيقي: ليس في النقد ذاته، فالنقد في جوهره فعل عقلي مشروع، بل في الدافع الذي يقف خلفه، وفي الانتقائية التي تحكمه. كيف يمكن لعقلٍ أن يغضّ الطرف عن فسادٍ ظاهر، ثم يستنفر كل طاقته ليشكك في صفاء من اصطفاهم التاريخ والدين والوجدان الجمعي؟ كيف يلين القلب أمام خطيئة عابرة، ويقسُو أمام سيرةٍ قامت عليها قيم الرحمة والعدل والنقاء؟.. لقد جاء الرسول، لا ليؤسس مجرد طقسٍ ديني، بل ليعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ليزرع فيه ميزانًا دقيقًا يفرق بين الخطأ والصواب، بين النقد والتجريح، بين الحرية والفوضى. وكان من أبرز ما رسّخه ذلك النقاء الذي انعكس في بيته وصحابته، حيث لم تكن الطهارة مجرد وصف، بل سلوكًا يوميًا ومعيارًا أخلاقيًا.... إن الحديث عن الطهر هنا ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة فكرية، لأن من لا يؤمن بصفاء المنبع، سيظل يشكك في نقاء الماء. ومن يتعامل مع التاريخ بروح الاتهام، لن يرى فيه إلا ما يوافق ظنه، لا ما يستحق التأمل.وما يثير السخرية المريرة، أن بعض من يرفعون لواء الانتساب إلى هذا البيت الطاهر، هم أول من يسيء إليه، لا بالفعل المباشر، بل بتناقضهم الصارخ. فهم يتحدثون باسم النسب، لكنهم يغفلون عن المعنى؛ يتمسكون بالعنوان، ويهملون الجوهر. وكأن الانتماء عندهم شارة تُرفع، لا مسؤولية تُحمل.فأي نسبٍ هذا الذي لا ينعكس في السلوك؟ وأي محبةٍ تلك التي لا تُترجم إلى احترام؟ إن المحبة الحقيقية ليست ادعاءً، بل التزام، وليست شعارًا، بل أثرًا يُرى في القول والعمل.لقد كان الصحابة، بكل ما فيهم من بشرية، نموذجًا فريدًا في التلقي والتطبيق، ولم يكونوا معصومين من الخطأ، لكنهم كانوا صادقين في التوجه، نقيين في المقصد، وهو ما جعلهم أقرب إلى روح الرسالة، لا مجرد ناقلين لها. أما آل البيت، فكانوا امتدادًا لهذا النقاء، لا بحكم الدم فقط، بل بحكم الرسالة التي حملوها، والقدوة التي جسدوها.
ومن هنا، فإن الطعن فيهم لا يُفهم فقط كخلاف فكري، بل كخلل في البوصلة الأخلاقية، لأن من يبدأ بهدم الرموز، ينتهي به الأمر إلى هدم المعاني التي قامت عليها تلك الرموز.إننا لا نعيش أزمة معلومات، بل أزمة وعي؛ لا نفتقر إلى النصوص، بل إلى القراءة العادلة لها. وبين من يبحث ليصل إلى الحقيقة، ومن يبحث ليؤكد ما يريده أن يكون حقيقة، تضيع الحدود، ويختلط الصوت بالضجيج.ولعل أخطر ما في هذا المشهد، أن البعض يتوهم أن جرأة الطرح تعني صحة الفكرة، وأن كثرة المصادر تعني عمق الفهم، بينما الحقيقة أن الفهم يبدأ من صفاء النية، لا من كثافة الاقتباس.إن الدفاع عن المقدّس لا يكون بالصراخ، ولا بالشتائم، بل بإعادة تقديمه كما هو: نقيًا، متماسكًا، قادرًا على مخاطبة العقل والقلب معًا. فحين يكون الأصل قويًا، لا يخشى السؤال، بل يستوعبه.وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة رغم كل هذا التعقيد: من أحبّ شيئًا صانه، ومن عظّم قيمةً دافع عنها بسموّ، لا بانحدار. وبين من يرى في الرموز منارات، ومن يراها أهدافًا، تتحدد ملامح الطريق.
وما أحوجنا اليوم، لا إلى مزيد من الجدل، بل إلى إعادة ترتيب هذا الميزان المختل… حيث يُستر الخطأ رحمةً، ويُصان المقدّس تعظيمًا، ويُفهم الدين كما أُريد له أن يكون: نورًا، لا ساحة صراع.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.


المزيد.....




- ائتلاف نتانياهو يبادر بمقترح لحل الكنيست ويدفع إسرائيل نحو ا ...
- -فيرون- لديه الإجابة عن سبب فشل المفاوضات بين أمريكا وإيران ...
- بعد فقدان أميركيين.. المغرب يعلن العثور على -الجثة الثانية- ...
- روبيو يكشف أهداف ترامب من رحلة بكين.. وإيران في صدارتها
- -نحتفظ بحق الرد-.. طهران تطالب الكويت بالإفراج عن 4 إيرانيين ...
- إيران: الحصار يلقي بظلاله على القدرة الشرائية للمواطنين
- غيرت موقفها للمرة الأولى.. موركوفسكي تقود منعطفا جمهوريا بال ...
- فانس: أمريكا تحرز تقدما في المحادثات مع إيران
- الإمارات تنفي ما يتم تداوله بشأن زيارة رئيس وزراء إسرائيل
- بعد -صواريخ الكتف-.. خطط صينية لإرسال أسلحة أخرى إلى إيران


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.