أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.














المزيد.....

بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 15:45
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس كلُّ ما يخفق في الصدر قلبًا، ولا كلُّ ما يتوهّج فيه فؤادًا… فبين اللفظين مسافة تشبه تلك التي تفصل بين التأمّل والاحتراق، بين أن تفهم الشيء وأن تذوب فيه. نحن، منذ فجر اللغة، نحاول أن نسمّي ما يسكننا، أن نمنح هذا الكائن الغامض الذي يحرّكنا أسماءً تليق بتقلّبه وعمقه، فقلنا قلبًا حين أردناه ميزانًا،وقلنا فؤادًا حين صار نارًا.القلب… ذلك الحكيم الذي يسكن فينا، لا ليشعر فقط،بل ليفكّر أيضًا. هو الذي يقف عند مفترق الطرق، يزن الحكايات، ويمدّ خيوط الفهم بين الأشياء. ليس عاطفة عمياء، بل عقلٌ يرتدي عباءة الشعور.ولذلك كان العرب يقولون:“فلان له قلب”، أي له بصيرة، وكأن القلب مرآة لا تعكس الوجوه، بل الحقائق. في القلب تتصالح الفكرة مع الإحساس، ويجلس العقل إلى مائدة العاطفة دون أن يفقد اتزانه.لكن الفؤاد… شيء آخر، شيء لا يُقاس ولا يُضبط. الفؤاد هو حين يتجاوز الشعور حدوده، حين لا يعود القلب قادرًا على حمل ما فيه، فيتحوّل إلى لهيب. هو ليس مكانًا للفهم، بل ساحة للاشتعال.الفؤاد لا يناقش، بل يرتجف. لا يزن، بل ينفجر. ولهذا، حين اشتدّ الحزن في صدر أمّ موسى، لم يُقال إن قلبها اضطرب، بل إن فؤادها فرغ… لأن اللغة، حين تبلغ ذروتها، تختار أدقّ الألفاظ لتصف أقسى الحالات.يقول أحد الحكماء:“العقل يُفكّر، والقلب يُقرّر،والفؤاد يدفع الثمن.”وكأن الفؤاد هو الضريبة التي ندفعها حين نحبّ أكثر مما ينبغي، أو نحزن أعمق مما نحتمل.وفي الشعر، كان الفؤاد دائمًا حليف العاشقين المنكسرين، أولئك الذين لم تسعهم قلوبهم، فاضطروا إلى الاحتماء بلغة الاحتراق. يقول قائلهم:“أعاتب قلبي حين يهدأ خافقًا
وأخشى على فؤادي إذا ما تلهّبا”فالقلب هنا مساحة للهدوء الممكن، أما الفؤاد فهو هاوية لا قرار لها.ولعلّ أصدق ما يُقال في الفرق بينهما أن القلب يعيش في العالم، بينما الفؤاد يعيش في الإنسان. القلب يتعامل مع الواقع، أما الفؤاد فيغرق في المعنى. القلب يرى،لكن الفؤاد يشعر بما لا يُرى. ومن هنا،كان القلب قابلًا للإقناع، أما الفؤاد فلا يُقنع، بل يُروّض أو يُترك ليحترق حتى يخمد.وفي الأمثال القديمة، كانوا يقولون: “إذا صفا القلب، استقامت الرؤية”، لكنهم لم يقولوا شيئًا عن الفؤاد، لأن الفؤاد لا يعرف الصفاء، بل يعرف التقلّب العنيف، كبحرٍ لا يهدأ، أو كريحٍ لا تستأذن.ربما نحن نحتاج إلى القلب لنعيش، لكننا لا نصبح بشرًا كاملين إلا بالفؤاد. فالقلب يمنحنا التوازن، أما الفؤاد فيمنحنا العمق. القلب يجعلنا نفهم الحياة، والفؤاد يجعلنا نحسّها. وبين الفهم والإحساس، تتكوّن الحكاية التي اسمها الإنسان.ولذلك، حين تحب، ستحتاج إلى قلبٍ لتختار،لكنك ستُبتلى بفؤادٍ لا يختار، بل ينجرف. وحين تفقد، ستفهم بقلبك ما حدث، لكن فؤادك سيبقى يرفض الفهم،كطفلٍ يصرخ في وجه القدر.قال أحد الشعراء:
“قلبي يحدّثني بأنك متلفي
وروحي فداك عرفت أم لم تعرفِ
ما لي سوى روحي وباذل نفسه
في حب من يهواه ليس بمسرفِ”
لكن لو دقّقنا، لوجدنا أن الذي يُبذل ليس القلب، بل الفؤاد… لأن القلب يحسب،أما الفؤاد فيمنح دون حساب.وهكذا، نظلّ نعيش بين اثنين يسكناننا: قلبٌ يعلّمنا كيف نفهم العالم، وفؤادٌ يعلّمنا كيف نحترق به. وإذا كان القلب هو الحكمة،فإن الفؤاد هو الحقيقة العارية، تلك التي لا تُقال إلا حين تعجز اللغة،فيبدأ الصمت بالكلام.وفي النهاية، لا فرق بينهما إلا بقدر ما بين الضوء والنار… كلاهما يضيء، لكن أحدهما يهديك الطريق، والآخر يلتهمك إن اقتربت.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .


المزيد.....




- سي إن إن: ترمب عالق بين خيار الحرب أو مواصلة التفاوض مع إيرا ...
- -المسائية-.. تداعيات اغتيال الحداد في غزة وطهران تتوعد بآلية ...
- هل يقيل أحد 24 جنرالا أثناء الحرب؟ نحن فعلناها!
- أريد أن أكون خارقا.. مصطفى مبارك شاب مصري يحلم بتجاوز الواقع ...
- ناشطة تواجه بلينكن: يداك ملطختان بدماء نصف مليون طفل
- مريضة نفسياً تطلب المساعدة على الموت في كندا، فما هو -الموت ...
- اتصالات لإعلان وقف شامل لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل
- ترامب: الرئيس الصيني متفق معي على ضرورة فتح إيران لمضيق هرمز ...
- تحركات بحرية غربية قرب هرمز.. وخبير عسكري يحذر من سيناريوهات ...
- حرب إيران مباشر.. ترمب يلمح إلى -هدوء ما قبل العاصفة- ومقتل ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.