أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .














المزيد.....

وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 09:58
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أثقل على الروح من أن يستيقظ الإنسان في وطنٍ يفترض أنه بيته الكبير، ليكتشف أن هذا البيت بدأ يطالبه بأجرة الإقامة، لا على شكل ضريبة عادلة تُفهم في سياق الدولة الحديثة،بل على هيئة اقتطاعات متفرقة، مبعثرة،كأنها عقوبات صغيرة موزعة على أيامه، تبدأ من باب المدرسة ولا تنتهي عند باب المستشفى، وبينهما تتكاثر الفواتير كما يتكاثر القلق في صدر أبٍ يحسب الأيام لا بالعمر بل بما تبقى من راتبه قبل أن يتبخر. إن تحويل التعليم، ذلك الفعل النبيل الذي يُفترض أن يكون سلّم الخلاص الاجتماعي، إلى عبء مالي إضافي، ليس مجرد قرار إداري، بل هو انزلاق رمزي عميق في فهم معنى الدولة نفسها، إذ كيف يمكن لكيانٍ يُفترض أنه يرعى الإنسان أن يبدأ أولى خطواته معه بطلب الأجر مقابل تعليمه، وكأن المعرفة سلعة تُباع على الأرصفة لا حقٌ يُصان في الدساتير.المفارقة التي لا تخلو من سخرية مرة، أن هذا المواطن الذي يُطلب منه أن يدفع، هو ذاته الذي يُقال له إن بلده غني، وإن النفط يتدفق، وإن الخيرات لا تنضب، لكنه في نهاية الشهر يقف أمام أرقامه الخاصة كمن يقف أمام مرآة لا ترحم، يرى فيها حقيقة لا تشبه الخطب ولا التصريحات، حقيقة تقول إن المعادلة مقلوبة: دولة تأخذ أكثر مما تعطي، ومواطن يُطلب منه أن يكون صبوراً، متفهماً، بل وشاكراً أحياناً،لأنه ما زال قادراً على الوقوف. هنا تتجلى الكوميديا السوداء بأبهى صورها، حين يصبح السؤال البديهي –من يخدم من؟ – سؤالاً فلسفياً معقداً يحتاج إلى لجان وخبراء، بينما الإجابة تئن في الشارع دون أن يسمعها أحد.إن الفقر حين يزحف لا يأتي وحده، بل يصطحب معه إعادة تشكيل كاملة للقيم، فيتحول التعليم من حلم إلى ترف، ومن ضرورة إلى عبء، وتصبح المدرسة محطة عبور مؤقتة لمن يستطيع الدفع، لا فضاءً مفتوحاً للجميع، وهنا يبدأ الخلل الحقيقي، لأن المجتمع الذي يُثقل كاهل أطفاله منذ الصف الأول، إنما يزرع فيهم فكرة مبكرة مفادها أن الطريق ليس للجميع، وأن العدالة مجرد شعار يُعلّق على الجدران.وعندما تضطر عائلة إلى المفاضلة بين دفع أجور الدراسة أو تأمين أساسيات الحياة، فإنها لا تختار بقدر ما تُجبر، وحين يُجبر الإنسان على الاختيار بين المعرفة والبقاء، فإنه يختار البقاء، لا لأنه يكره المعرفة، بل لأنه يريد أن يعيش ليحلم بها لاحقاً، إن بقي في الحلم متسع.وإذا ما مضينا أبعد في هذا المشهد، سنجد أن المسألة لم تعد مجرد أرقام تُجمع وتُطرح، بل تحولت إلى حالة نفسية عامة، إلى شعور متراكم بأن العلاقة بين المواطن والدولة لم تعد علاقة رعاية ومسؤولية متبادلة، بل علاقة اختلال، فيها طرف يزداد طلباً، وطرف يزداد إنهاكاً، طرف يتحدث بلغة الموازنات، وطرف يتحدث بلغة الحاجة اليومية التي لا تنتظر نهاية السنة المالية. ومن هنا، فإن السخرية لم تعد ترفاً أدبياً، بل وسيلة دفاع، لأن الضحك المرّ أحياناً هو الطريقة الوحيدة لقول الحقيقة دون أن يختنق الصوت.أما استدعاء أسماء كبار الاقتصاديين في خضم هذا الواقع، فهو أشبه بمحاولة إضفاء طابع علمي على مشهد لا يخضع في جوهره لأي منطق اقتصادي رصين، فالنظريات تُبنى على افتراضات منضبطة، وعلى توازن بين الموارد والعدالة، بينما ما يجري أقرب إلى ارتجال طويل، تُتخذ فيه القرارات كما تُلقى الحجارة في الماء، دون حساب دقيق لدوائر الأثر التي ستتسع وتبتلع الجميع. الاقتصاد ليس مجرد جباية، كما أن الدولة ليست مجرد خزينة، بل هي منظومة معقدة من الثقة، وإذا تآكلت هذه الثقة، فإن كل الأرقام تفقد معناها، لأن القيمة الحقيقية لأي نظام ليست في ما يجمعه، بل في ما يخلقه من إحساس بالإنصاف.وفي لحظة تأمل صامتة، قد يسأل المرء نفسه: كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف تحول الحديث عن الحقوق إلى جدل، وعن البديهيات إلى مطالب؟ الجواب ليس بسيطاً، لأنه يتوزع بين تراكمات طويلة من السياسات، ومن التنازلات، ومن الصمت أيضاً، ذلك الصمت الذي يتسلل تدريجياً حتى يصبح عادة، ثم يتحول إلى جزء من المشهد، فلا يعود أحد يستغربه. لكن التاريخ، في نهاية المطاف، لا يرحم هذا النوع من الاعتياد، لأنه يدوّن اللحظات التي كان يمكن فيها التغيير ولم يحدث.إن الوطن، في صورته الأسمى، ليس جهة جباية، بل فكرة كبرى للعدل،وإذا فقد هذه الفكرة، فإنه يتحول إلى مساحة جغرافية بلا روح، يعيش فيها الناس لا لأنهم يريدون، بل لأنهم لا يجدون بديلاً. وبين أن يكون الوطن فكرة أو فاتورة، مسافة تختصر مصير أجيال كاملة، إما أن تعبرها الدولة نحو الإنسان، أو يضيع فيها الإنسان وهو يحاول أن يفهم لماذا صار عليه أن يدفع ثمن انتمائه مرتين: مرة حين وُلد هنا،ومرة حين أراد أن يتعلم كيف يعيش.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .