أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الموت الأخلاقي للمثقف العربي .














المزيد.....

الموت الأخلاقي للمثقف العربي .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 15:30
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة القديمة، كان المثقف يشبهُ النخلةَ الوحيدة في صحراءٍ قاحلة؛ يُهتدى بها، ويُستظلُّ تحتها، ويُؤخذُ منها التمرُ ساعةَ الجوع. أمّا اليوم، فقد صار كثيرٌ من مثقفينا أشبهَ بديكورٍ رسميٍّ في صالات الخراب، يُصفّقُ للكارثة وهو يرتدي ربطةَ عنقٍ أنيقة، ويكتبُ عن الحرية من خلف نافذةٍ لا يفتحها خوفًا من الهواء.لقد مات المثقف العربي أخلاقيًا قبل أن يموت فكريًا، وهذه هي الفاجعة التي لا تُكتبُ في بيانات النعي، لأنّ أحدًا لم يعد يلاحظ الجثة أصلًا. صار الموتُ الأخلاقيُّ حدثًا اعتياديًا، كأن ترى شاعرًا يمدحُ جلاده، أو كاتبًا يبتسمُ للفساد كي يحصل على دعوة عشاء، أو ناقدًا أدبيًا يتحول إلى سمسارٍ ثقافيٍّ يتاجر بالأسماء كما يتاجرُ بائعُ الخضار بالباذنجان في آخر النهار.
في العالم الحقيقي، يُفترض بالمثقف أن يكون ضميرًا، لكنّ المأساة أنّ الضمير العربي صار موظفًا بعقدٍ مؤقت. يكتبُ حين يُطلبُ منه الكتابة، ويصمتُ حين تقترب الحقيقة من جيبه أو من راتبه أو من صورته التي ينشرها يوميًا مبتسمًا كأنه سفيرُ السعادة في جمهورية الخراب الكبرى.ما أكثرَ المثقفين الذين يتحدثون عن الوطن وهم لا يعرفون رائحة الشوارع الفقيرة، وما أكثر الذين يكتبون عن الحرية بينما أصابعهم ترتجف من حذفِ تعليقٍ غاضب على مواقع التواصل. لقد تحوّل بعضهم إلى كائناتٍ رخوة؛ تكتبُ عن المظلومين في الصباح، ثم تجلس مساءً مع الظالم على طاولة الويسكي والضحكات الثقيلة. وحين تسألهم: أين موقفكم؟ يجيبونك بلغةٍ مطاطية تشبه بياناتِ الطقس: “المرحلةُ حساسة، والظروفُ معقدة، والمشهدُ ضبابي”. كأنّ الحقيقة تحتاجُ إلى مجهرٍ نووي كي تُرى، لا إلى شجاعة فقط.المشكلة ليست في خوف المثقف وحده، فالخوفُ غريزةٌ بشرية، لكنّ الكارثة أن يتحوّل الخوف إلى فلسفة، ثم إلى وجهة نظر، ثم إلى بطولةٍ مزيفة يتباهى بها صاحبها وهو يقول: “أنا أمارس الحكمة”. أيُّ حكمةٍ هذه التي تجعل الكاتب يرى الدم ولا يراه؟ يسمعُ صراخَ المقهورين ثم يكتبُ مقالًا عن جمال الغيوم في فصل الربيع؟ لقد صار بعض المثقفين بارعين في فنِّ الهروب من الحقيقة أكثر من براعتهم في مواجهتها.وفي البلاد التي تتكاثرُ فيها السجونُ أكثر من المكتبات، يصبحُ الصمتُ عملةً متداولة، لكنّ الصمتَ حين يطولُ يتحوّل إلى خيانة ناعمة. ليس مطلوبًا من المثقف أن يحمل بندقية، لكن على الأقل أن لا يتحول إلى مزهريةٍ فوق مكتب السلطان. المثقف الذي لا ينحازُ للإنسان حين يُهان، لا فرق بينه وبين كرسيٍّ فاخر في مكتب مسؤول فاسد؛ كلاهما يؤدي وظيفة الصمت بأناقة.لقد تغيّرت صورة المثقف العربي كثيرًا. كان في الماضي فقيرًا لكنه كبير، جائعًا لكنه حر، مطاردًا لكنه نظيف اليد. أمّا اليوم فقد صار بعض المثقفين نجوم حفلات، يتنقلون بين المؤتمرات والفنادق المكيّفة، يتحدثون عن معاناة الشعوب وهم يطلبون نوع القهوة المناسب قبل بدء الندوة. حتى الحزنُ العربيُّ نفسه صار يُقدَّمُ أحيانًا في قاعاتٍ فخمة مع بوفيه مفتوح وبطاقات VIP.والأدهى من ذلك أن بعضهم لم يعد يؤمن أصلًا بدور الثقافة. لقد تحوّلت الثقافة عنده إلى مهنة علاقات عامة، أو وسيلة للحصول على لقبٍ طويل يُكتبُ قبل اسمه في المهرجانات. لم يعد يسأل: كيف أغيّر هذا الخراب؟ بل صار يسأل: كم عدد الإعجابات التي حصل عليها منشوري؟ وكم صورة التقطتها مع المسؤولين؟ وكم شهادة تقدير سأعلّقها على الحائط كي يظنّ الناس أنني عظيم؟هكذا ماتت القيمة الحقيقية للكلمة. لم يعد النصُّ صرخةً، بل صار منشورًا منسقًا بعناية كي لا يغضب أحد. حتى القصائد فقدت أنيابها؛ صارت تكتبُ عن الحبِّ أكثر مما تكتبُ عن الجوع، وعن القمر أكثر مما تكتبُ عن السجون، وكأنّ الأمة العربية تعيشُ قصةَ حبٍّ جماعية لا تاريخًا طويلًا من القهر والانكسار.لكن لا يمكن تحميل المثقف وحده كلَّ الذنب، فالمجتمعاتُ العربية نفسها ساهمت في قتل مثقفيها الحقيقيين. نحن شعوبٌ تصفق للمهرّج أكثر مما تصفق للمفكر، وتمنحُ الشهرة لمن يصرخُ أعلى لا لمن يفكرُ أعمق. ولذلك صار المثقفُ الحقيقيُّ يشعرُ بالغربة داخل وطنه، بينما يلمعُ التافهون على الشاشات كأنهم أنبياء العصر الرقمي.لقد أصبحنا نعيش زمنًا يُقاسُ فيه الوعي بعدد المتابعين، لا بعدد الكتب المقروءة. زمنٌ يستطيع فيه راقصٌ تافه أن يحصل على ملايين المشاهدات، بينما يموت شاعرٌ كبيرٌ بصمتٍ لأنّ أحدًا لم يعد يملكُ وقتًا للقراءة. وهذه ليست أزمة مثقف فقط، بل أزمة حضارة كاملة تتآكلُ من الداخل بينما تنشغلُ بوضع مساحيق التجميل على وجهها المتعب.ومع ذلك، يبقى الأملُ معلقًا بتلك القلة النادرة التي ما زالت تؤمن أنّ الكلمة موقف، وأنّ الكتابة ليست زينة لغوية بل مسؤولية أخلاقية. أولئك الذين يكتبون رغم الخوف، ويتكلمون رغم التهديد، ويرفضون أن يتحولوا إلى موظفين في وزارة الصمت العربي الكبير.فالأمم لا تموت حين تجوع فقط، بل تموت حين يصمت مثقفوها، وحين يتحوّل الكتّاب إلى مهرجين رسميين في سيرك السلطة، وحين يصبح الضميرُ مجرد فقرةٍ أدبية في كتابٍ قديم مهمل على رفٍّ مكسور.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الموت الأخلاقي للمثقف العربي .