أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.














المزيد.....

المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 15:55
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا يُحال الإنسان إلى التقاعد، بل يُحال إلى صمتٍ طويلٍ يشبه مقاعد الانتظار في المستشفيات الحكومية؛ مقاعد خشبية مكسورة، يجلس عليها العمرُ وهو يحدّق في السقف متسائلًا: هل كانت كل تلك السنوات تستحق هذا التعب؟.. المتقاعد العراقي لا يخرج من الوظيفة، بل يخرج من ذاكرة الدولة نفسها، كأن أعوامه التي ذابت بين الملفات والطوابير والأختام والحروب والحصار لم تكن سوى هامشٍ صغير في دفترٍ حكومي رطب.كم هو ساخرٌ هذا الزمن الذي يجعل الرجل الذي بنى الوطن عاجزًا عن شراء دوائه، فيما تتضخم بطون الفساد حتى تكاد تحتاج إلى وزارة مستقلة لإدارتها. المتقاعد اليوم يشبه شمعةً أُحرقت كاملةً كي تضيء للآخرين، ثم حين انتهى نورها رُميت بقاياها في زاويةٍ باردة، بينما تُضاء القصور بثريات النفط والكذب والوعود الموسمية.
أي فلسفةٍ هذه التي تجعل راتب مسؤولٍ واحدٍ يكفي لإطعام حيٍّ كامل من المتقاعدين؟.. وأي عدالةٍ تلك التي تقيس قيمة الإنسان بقدرته على البقاء شابًا في ماكينة الدولة؟.. كأن الوطن لا يحب أبناءه إلا وهم قادرون على الوقوف ساعاتٍ خلف المكاتب، أما حين تنحني ظهورهم من التعب، يصبحون عبئًا على نشرات الأخبار وخطب البرلمان... المتقاعد العراقي لا يريد المستحيل، لا يطلب قصورًا معلقةً على ضفاف دجلة، ولا سيارات مصفحة، ولا مواكب تتكفل بها خزينة البلاد. إنه يريد فقط أن لا يشعر بالإهانة حين يدخل سوقًا فيحسب ثمن الطماطم قبل أن يحسب عدد أحفاده. يريد أن يشتري الدواء دون أن يبيع خاتم زوجته القديم. يريد أن لا يقف مذلولًا أمام المصارف كأنه يتسول ما تبقى من عمره.... لقد تحوّلت الرواتب التقاعدية إلى نكتة سوداء يتبادلها الناس بحزن. الراتب يصل متأخرًا، والأسعار تصل مبكرًا. الدينار يشيخ أسرع من أصابع المتقاعد، والسوق يبتلع كل شيء بشراهة الذئاب. أما الخطب الرسمية فما زالت تتحدث عن “الاهتمام بالمواطن” بنفس الحنان الذي يتحدث به التاجر عن خروف العيد قبل ذبحه.
المشكلة ليست في المال وحده، بل في الفكرة العميقة التي تتعامل بها السلطة مع الإنسان. فالدولة التي لا تكرم متقاعديها هي دولة تنظر إلى البشر بوصفهم أدوات استعمال مؤقتة؛ وحين تنتهي صلاحيتهم الوظيفية، يُركنون مثل آلاتٍ قديمة في مخازن النسيان. هنا تتحول الشيخوخة إلى عقوبة، ويصبح التاريخ الشخصي للإنسان بلا قيمة أمام جشع السياسة... المتقاعد العراقي يحمل في جيوبه خرائط تعب البلاد كلها؛ بعضهم عاش الحروب، وبعضهم عاش الحصار، وبعضهم كان يذهب إلى وظيفته وسط الانفجارات، وآخرون قضوا أعمارهم خلف السبورات وفي المستشفيات والدوائر، يحاولون إبقاء هذا البلد واقفًا رغم الخراب. ثم جاءت النهاية قاسية كصفعةٍ باردة: راتب لا يكفي أسبوعًا، ووطنٌ يطالبهم بالصبر كأن الصبر صار عملةً وطنية بديلة عن النفط... ما أشد سخرية المشهد حين نرى المسؤول يتحدث عن “شد الأحزمة”، بينما أحزمة الفقراء لم تعد تجد بطونًا تشدها من شدة الجوع. المتقاعد اليوم لا يحتاج إلى لجانٍ وتصريحاتٍ ومؤتمرات صحفية بربطات عنق فاخرة، بل يحتاج إلى قرارٍ يعيد له شعوره بأنه ما زال مواطنًا لا رقمًا منسيًا في أرشيف الرواتب.إن زيادة الرواتب التقاعدية ليست منّةً حكومية، بل اعتراف متأخر بأن هذا الإنسان لم يكن مجرد ظلٍّ عابر داخل مؤسسات الدولة. إنها محاولة صغيرة لترميم كرامةٍ تآكلت تحت ضغط الحاجة والخذلان. فالوطن الحقيقي لا يُقاس بعدد أبراجه وأسواقه، بل بطريقة تعامله مع الذين أفنوا أعمارهم في خدمته ثم عادوا إلى بيوتهم بأقدامٍ متعبة وقلوبٍ مثقلة.في العراق، يبدو المتقاعد كفيلسوفٍ عجوز يجلس قرب نافذته، يتأمل ضجيج العالم بصمت، ويضحك بحزنٍ على مفارقةٍ مريرة: لقد قضى عمره يبني وطنًا لا يستطيع الآن أن يعيش فيه بكرامة.وهذه ليست أزمة راتب فقط، بل أزمة ضميرٍ كامل.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.