أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.














المزيد.....

مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 16:51
المحور: قضايا ثقافية
    


في البدء، لم تكن الكلمة تُقال… بل كانت تُصاغ كما تُصاغ النجاة من الغرق،وكان الحوار يُشبه سفينة خشبية في بحرٍ هائج، لا ينجو فيها إلا من يعرف كيف يُمسك بالبوصلة، لا من يُجيد التلويح بيديه أمام الكاميرا. أما اليوم، فقد صارت السفينة نفسها برنامجًا تلفزيونيًا لامعًا، مزخرف الحواف، مفرغًا من المعنى، يقوده قبطان لا يسأل عن الاتجاه، بل عن زاوية التصوير.أزمة الخطاب الثقافي في برامجنا الحوارية ليست عطبًا عابرًا، ولا زلة مهنية يمكن ترقيعها بعبارة اعتذار باردة، بل هي تحوّل عميق في وظيفة السؤال ذاته؛ إذ لم يعد السؤال أداة كشف، بل صار أداة تجميل، لا يهدف إلى تعرية الفكرة، بل إلى تجميل الضيف… أو بالأحرى، إلى تعرية ما لا يستحق التعري، وتجاهل ما يستحق أن يُفضح.المذيع، الذي كان يومًا ما أشبه بمحقق فلسفي، يلاحق الفكرة حتى تختنق أو تعترف، تحوّل إلى منسق أزياء لغوية، يختار مفرداته كما تُختار ربطة العنق، بعناية شكلية لا تمس الجوهر. لم يعد يعنيه ما يقول الضيف، بل كيف يبدو وهو يقول، ولم تعد القيمة في المعنى، بل في الإضاءة التي تسقط على الوجه، وفي الصمت الذي يُستخدم كإكسسوار درامي لا كمساحة تفكير.أما الضيف، فقصته أكثر مأساوية… أو أكثر كوميدية، حسب زاوية المشاهدة. يأتي محمّلًا بتاريخ، أو هكذا يظن، فيُستقبل كعارض أزياء فكرية، يُطلب منه أن يبتسم، أن يضحك، أن يُظهر “جانبه الإنساني”، وكأن الفكر عيب يجب تغطيته، وكأن العمق تهمة ينبغي التخفف منها أمام جمهور يُفترض أنه لا يحتمل أكثر من جملة قصيرة وصورة لامعة.وهنا تبدأ المسرحية الكبرى: سؤال يُطرح لا ليُجاب عنه، بل ليُملأ به الفراغ بين إعلانين، وضيف يُجيب لا ليُفهم، بل ليبقى حاضرًا في الكادر، وجمهور يُشاهد لا ليتغير، بل ليُؤكد أنه ما زال قادرًا على التحديق في اللاشيء.إنها أزمة خطاب… نعم، لكنها أيضًا أزمة نية. فحين يُفقد الحوار غايته، يتحول إلى طقسٍ فارغ، أشبه برقصة بلا موسيقى، أو بمسرحية نسي ممثلوها النص فارتجلوا الضحك بدل المعنى. لم يعد أحد يسأل: لماذا نتحاور؟ بل: كم عدد المشاهدات؟ كم دقيقة بقيت؟ كم إعلانًا يمكن إدخاله دون أن يهرب المتلقي؟
وفي خضم هذا العبث المنظم، يُقصى المثقف الحقيقي، لا لأنه غائب، بل لأنه غير صالح للعرض. المثقف الذي يطرح أسئلة مزعجة، الذي يُربك السرديات الجاهزة، الذي لا يبتسم حين يُطلب منه ذلك، ولا يختصر أفكاره في جملة قابلة للاقتباس على وسائل التواصل… هذا المثقف يُعتبر خطرًا على الإيقاع، خللًا في المنظومة، صوتًا نشازًا في أوركسترا الصمت الجميل.ولعل أكثر ما يثير السخرية، أن هذه البرامج تدّعي تمثيل “الرأي العام”، وكأن الرأي العام طفل مدلل لا يحتمل إلا الحلوى، أو مريض مزمن لا يُسمح له إلا بجرعات خفيفة من الحقيقة. والحقيقة أن الرأي العام، لو أُتيحت له الفرصة، قد يدهش الجميع بقدرته على الفهم، لكن أحدًا لا يريد أن يغامر بذلك… فالمخاطرة الحقيقية ليست في طرح الأسئلة الصعبة، بل في فقدان السيطرة على الإجابات.
وهكذا، يتآكل الخطاب الثقافي من الداخل، لا بفعل هجوم خارجي، بل نتيجة تواطؤ صامت بين صانع ومتلقي، بين من يُفرغ المعنى ومن يقبل الفراغ، حتى يصبح الفراغ هو القاعدة، والمعنى هو الاستثناء.في النهاية، لا يبقى من الحوار إلا صورته… إطار جميل، صوت واضح، ضوء مثالي، وكلمات تمر كما تمر السيارات في شارع مزدحم، لا أحد يتوقف، لا أحد يسأل، لا أحد يتذكر إلى أين كان ذاهبًا.وهنا، فقط، ندرك أن الأزمة لم تعد في البرامج، ولا في المذيعين، ولا حتى في الضيوف… بل في تلك اللحظة التي قررنا فيها، بصمتٍ جماعي، أن نستبدل الفكر بالديكور، وأن نُصغي للصورة أكثر مما نُصغي للحقيقة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.