أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.














المزيد.....

في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 04:54
المحور: قضايا ثقافية
    


في ليلةٍ لم تكن تختلف كثيراً عن غيرها، كانت المدينة تغطّ في صمتٍ يشبه التواطؤ، كأنها تعرف أكثر مما تقول، وتخشى أن تبوح بما تعرف. وحدها الشائعات كانت مستيقظة، تتجوّل في الأزقة مثل قططٍ جائعة، تلتقط من كل بيتٍ همسة، ومن كل مقهى نصف جملة، ثم تعود لتنسج منها حكايةً كاملة، بلا شاهدٍ واحد، وبألف مصدّق.كنتُ أجلس في زاويةٍ من مقهى قديم، حيث الطاولات تعرف أسرار روّادها أكثر مما يعرفون أنفسهم. اقترب مني رجلٌ لا ملامح له، أو ربما كانت ملامحه تشبه الجميع إلى حدّ التلاشي، وجلس قبالتي دون استئذان، كأن بيننا موعداً قديماً لم أتذكره.قال بصوتٍ خافت: "هل سمعتَ آخر صفقة؟.. ابتسمتُ، لا لأنني سمعت، بل لأنني أدركت أنني سأسمع، شئت أم أبيت. في هذه البلاد، لا أحد ينجو من الأخبار، حتى الذين لا يقرأون.أشعل سيجارته، ونفث دخاناً بدا كأنه يرسم خريطةً في الهواء، ثم تابع: "يقولون إن البلاد تُقسَّم من جديد… لا على الورق هذه المرة، بل في العتمة… حيث لا تُرى التواقيع، ولا تُسمع الأصوات."لم أسأله عن الأسماء، لأن الأسماء في مثل هذه الحكايات تتبدل أسرع من الحقيقة. اليوم فلان، وغداً آخر، لكن القصة تبقى نفسها، كأنها نصٌّ محفوظ يُعاد تمثيله بوجوهٍ مختلفة.قلت له: "وهل تصدّق؟"
نظر إليّ طويلاً، كأن سؤالي كان ساذجاً أكثر مما ينبغي، ثم قال: "في بلدٍ يصبح فيه المستحيل احتمالاً يومياً… لماذا لا أصدّق؟".. صمتنا قليلاً، وكان الصمت بيننا أكثر بلاغةً من الكلام. في الخارج، مرّ رجلٌ بعمامةٍ بيضاء، يمشي بخطى واثقة، كأنه يحمل فوق رأسه تاريخاً لا يُناقش. تبعته عيون المارة باحترامٍ آلي، كأنهم لا يرونه، بل يرون ما يُفترض أن يمثّله.سألتُ الرجل: "هل ترى ما أرى؟"
قال: "أرى رمزاً… لكنني لا أعرف إن كان ما زال يدلّ على شيء."في هذه البلاد، لم تعد الأشياء كما كانت. الرموز فقدت براءتها، والمعاني تبدّلت مواقعها، حتى صار الشكل أكثر حضوراً من الجوهر، والصوت أعلى من الفكرة. العمامة، البدلة، المنبر، الكرسي… كلها لم تعد أدوات، بل صارت أقنعة، يتبادلها اللاعبون في مسرحٍ لا ينتهي.قال الرجل وهو يحدّق في الفراغ: "المشكلة ليست في من يرتدي العمامة، بل في من يسلّم رأسه لها."ضحكتُ، لكن ضحكتي كانت ثقيلة، كأنها سقطت من مكانٍ بعيد. تذكّرتُ وجوهاً كثيرة، كانت تصدّق كل شيء، وتدافع عن كل شيء، ثم تكتشف متأخرةً أنها كانت تدافع عن الوهم، لا عن الحقيقة."ولماذا يحدث هذا؟" سألته.
أجاب وهو يطفئ سيجارته ببطء: "لأن الحقيقة مُرهقة… تحتاج إلى تفكير، إلى شك، إلى مواجهة. أما الكذبة، فهي مريحة… جاهزة، مكتملة، وتأتيك مغلّفةً بشيءٍ تحبّه."في تلك اللحظة، شعرتُ أن المدينة كلها تجلس معنا، تستمع، لكنها تفضّل الصمت. ربما لأنها تعبت من الكلام، أو لأنها لم تعد تميّز بين ما يُقال وما يجب أن يُقال.في زاويةٍ أخرى من المقهى، كان شابٌ يحدّق في هاتفه، يمرّر الأخبار بسرعة، كأنه يبتلعها دون مضغ. كل خبرٍ عنده يشبه الآخر:فضيحة، صفقة، خيانة، وعدٌ جديد. ومع ذلك، لا شيء يتغير، سوى أن التعب يتراكم في عينيه أكثر.
قلت للرجل: "وهل هناك مخرج؟"
ابتسم، وكانت ابتسامته أقرب إلى الحكمة منها إلى الأمل: "المخرج ليس باباً… بل قرار.""أي قرار؟".. "أن لا تصدّق بسهولة… وأن لا ترفض بسهولة. أن تفكّر، حتى لو كان التفكير يؤلم."
نهض فجأة، كأنه تذكّر شيئاً مهماً، ثم قال قبل أن يغادر: "في هذه البلاد… لا يُسرق النفط فقط، بل يُسرق الوعي أيضاً. وحين يُسرق الوعي، يصبح كل شيءٍ آخر تفصيلاً."ترك الطاولة ومضى، وبقيتُ أنا وحدي، أو هكذا ظننت. لكن الحقيقة أنني لم أكن وحدي أبداً. كانت المدينة كلها معي، بثقلها، بأسئلتها، بصمتها الطويل.خرجتُ إلى الشارع، وكانت الأضواء خافتة، كأنها تخجل من إنارة ما يحدث. مررتُ بجانب جدارٍ كُتب عليه شعارٌ كبير، يعد بالكرامة والعدالة. تأملتُه قليلاً، ثم أدركت أن الجدران في هذه البلاد تكتب أكثر مما تُمحى، لكن أحداً لا يقرأ.رفعتُ رأسي إلى السماء، فبدت بعيدةً على غير عادتها، كأنها قررت أن تنأى بنفسها عن هذا المشهد. عندها فقط فهمتُ شيئاً بسيطاً، لكنه ثقيل:أن الوطن لا يُباع في صفقةٍ واحدة، بل يُباع بالتقسيط…
كل يوم، جزءٌ صغير من الحقيقة،
وجزءٌ أكبر من الصمت.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.