أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الدولة التي تأكل نفسها.














المزيد.....

الدولة التي تأكل نفسها.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 11:44
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق لا تأتي العواصف من السماء، بل تخرج من أفواه السياسيين مثل دخان أسود يتصاعد من محركات دولة هرمة تسير بلا عجلات، دولة تشبه قطارًا صدئًا يقوده عازف ناي أعمى فيما يتشاجر الركاب على المقاعد المحترقة.وما بين التصريحات الأمريكية الأخيرة وبين الوجوه العراقية المتعبة يقف المشهد وكأنه مسرح عبثي طويل كتبه مهرجون يحملون حقائب دبلوماسية وأحزمة ناسفة في الوقت نفسه، حتى صار المواطن العراقي لا يعرف إن كان يعيش داخل دولة أم داخل شركة أمنية ضخمة تتقاسمها البنادق والمصارف والسفارات والعمائم والشعارات الثورية التي تحولت مع الزمن إلى دكاكين سياسية تبيع الخوف بالتقسيط الوطني.واشنطن لا تتحدث اليوم بلغة الدبلوماسية الناعمة، بل بلغة الجراح الذي يفتح الجسد العراقي على الطاولة ويشير بإصبعه إلى الأورام المزمنة التي يعرفها الجميع وينكرها الجميع أيضًا.أكثر من ستمئة هجوم على المصالح الأمريكية، وفصائل تتكاثر داخل مؤسسات الدولة كما تتكاثر الفطريات في جدران البيوت المهجورة، وتمويل ورواتب وأذرع أمنية وسياسية وإعلامية تتغذى من قلب الدولة نفسها،حتى أصبح العراق كائناً غريب التركيب،نصفه حكومة ونصفه غابة، نصفه نشيد وطني ونصفه صفارات إنذار. والمفارقة الساخرة أن الجميع يتحدث عن “هيبة الدولة” فيما لا تستطيع الدولة أن تميز بين موظف رسمي ومقاتل غير رسمي يجلس داخل المكتب نفسه ويقبض الراتب نفسه ويحمل السلاح نفسه ويضع صورتين متناقضتين فوق رأسه؛ صورة المرجعية وصورة الزعيم الحزبي،ثم يخرج مساءً ليتحدث عن السيادة وكأنه آخر حراس الجمهورية الرومانية.الطبقة السياسية العراقية تعيش اليوم حالة إنكار تشبه ذلك المريض الذي يضع العطر على جثة الحقيقة ثم يقف أمام المرآة متفائلاً بأنه ما زال حيًا. الإعلام بدوره تحول إلى فرقة موسيقية تعزف فوق سفينة تغرق، يزين الخراب بالكلمات، ويبيع الوهم على هيئة تحليلات وطنية، فيما الحقيقة تمشي حافية في شوارع المدن العراقية وتعرف جيدًا أن الدولة منذ سنوات لم تعد دولة كاملة، بل مشروعًا مؤجلًا بين احتلالين؛ احتلال خارجي يلبس بدلة أنيقة، واحتلال داخلي يرفع شعارات المقاومة بينما يلتهم ما تبقى من جسد البلاد مثل ذئب يقرأ الشعر قبل الافتراس.الحديث الأمريكي عن إخراج الفصائل من مؤسسات الدولة لا يبدو مجرد طلب سياسي، بل إعلانًا عن لحظة فاصلة بين زمنين؛ زمن الدولة التي تتظاهر بأنها تمسك السلاح، وزمن السلاح الذي لم يعد يحتاج حتى إلى التظاهر. ولهذا فإن المعضلة العراقية اليوم ليست أمنية فقط، بل فلسفية أيضًا، لأن السؤال الحقيقي لم يعد: من يحكم العراق؟ بل: هل العراق نفسه ما زال موجودًا كفكرة مستقلة أم أنه تحول إلى ساحة تتبادل فوقها القوى الإقليمية والدولية رسائل النار؟ فالدولة التي لا تحتكر العنف لا تصبح دولة، بل مجرد فندق قديم تتنازع مفاتيحه جماعات متعددة، وكل غرفة فيه ترفع علماً مختلفاً وتكتب نشيدًا مختلفًا وتؤمن بخلاص مختلف.أما علي الزيدي،ذلك الرجل الذي يبدو وكأنه أُلقي به وسط حقل ألغام إقليمي، فإنه يقف الآن أمام أكثر المعادلات قسوة في تاريخ السياسة العراقية الحديثة؛ فالأمريكيون يريدون منه أن يفكك شبكة النفوذ الإيراني، وأن يقطع تمويل الفصائل،وأن يطهر مؤسسات الدولة من سطوة الجماعات المسلحة، وكأنهم يطلبون من رجل أعزل أن يطفئ بركانًا بكأس ماء.والمفارقة أن الجميع يعرف أن تنفيذ هذه المطالب يشبه توقيع شهادة وفاته السياسية وربما الجسدية أيضًا، لأن العراق لم يعد يحكمه الدستور وحده، بل تحكمه خرائط الخوف وموازين الرصاص وتحالفات الظل التي تُدار خلف الأبواب الثقيلة.إنه مشهد تراجيدي ساخر إلى درجة أن السياسة العراقية أصبحت تشبه ألعاب السيرك؛ الأمريكي يهدد، والإيراني يناور،والسياسي المحلي يبتسم أمام الكاميرات ثم يعود ليلًا ليحسب عدد الحراس حول منزله، أما المواطن فقد تعب حتى من الخوف نفسه، وصار يتابع نشرات الأخبار كما يتابع أفلام الرعب القديمة، يعرف النهاية مسبقًا لكنه لا يملك رفاهية تغيير القناة. الجميع يتحدث عن الإصلاح فيما الفساد أصبح نظامًا بيئيًا متكاملًا، والجميع يتحدث عن السيادة فيما القرارات الكبرى تعبر الحدود قبل أن تصل إلى بغداد،والجميع يتحدث عن الديمقراطية فيما البنادق ما زالت أكثر إقناعًا من صناديق الاقتراع.والأخطر من كل ذلك أن العراق يقف اليوم عند حافة لحظة إقليمية كبرى، فما يحدث في إيران لن يبقى داخل حدود إيران، بل سينعكس مباشرة على بغداد والبصرة والموصل وكركوك، لأن الجغرافيا العراقية منذ سنوات لم تعد جغرافيا مستقلة، بل مرآة تتلقى ارتجاجات المنطقة كلها.فإذا اختارت طهران التصعيد فسيشتعل العراق أولًا، وإذا اختارت التراجع فستبدأ إعادة رسم النفوذ داخل الدولة العراقية بطريقة قد تبدو هادئة ظاهريًا لكنها ستكون أشبه بعملية جراحية تُجرى دون تخدير.وهكذا يبدو العراقي اليوم كمن يعيش داخل ساعة رملية ضخمة، يرى الرمال تنحدر أمامه لكنه لا يعرف متى ستنتهي الدقيقة الأخيرة.الفوضى ليست احتمالًا بعيدًا، بل هي الهواء الذي يتنفسه البلد كل صباح، والاستقرار لم يعد حقيقة بل إعلانًا دعائيًا تتناقله القنوات الرسمية مثل أغنية قديمة فقدت معناها. وبين الدولة واللادولة، وبين السيادة والسلاح، وبين واشنطن وطهران، يقف العراق متعبًا كشيخ أنهكته الحروب، يحاول أن يقنع العالم بأنه بخير فيما جدرانه تتشقق من الداخل بصمت مرعب.وربما تكمن المأساة الكبرى في أن العراقيين لم يعودوا يسألون عن المستقبل بقدر ما يسألون عن حجم الخسائر القادمة،لأنهم خبروا جيدًا كيف تتحول الشعارات إلى مقابر، وكيف تتحول البنادق المؤقتة إلى سلطات دائمة،وكيف يصبح الوطن نفسه رهينة في مفاوضات لا يُدعى شعبه إليها. ولذلك فإن الحديث عن “دولة المؤسسات” يبدو اليوم أشبه بقصيدة رومانسية تُقرأ داخل ثكنة عسكرية، جميلة في اللغة، مستحيلة في الواقع، بينما الحقيقة الوحيدة التي تتجول بثقة في الشوارع العراقية هي أن اللعبة الكبرى لم تبدأ بعد، وأن ما نراه الآن ليس سوى بروفة طويلة قبل سقوط الستار أو اشتعال المسرح بالكامل.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الدولة التي تأكل نفسها.