أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.














المزيد.....

منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 14:39
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا يكفي أن تكونَ جائعاً كي تجدَ من يطعمك، بل يجب أن تكونَ صالحاً للتصوير أيضاً. لا يكفي أن تكونَ منكوباً، بل ينبغي أن تمتلكَ وجهاً يصلحُ لصفحات التواصل الاجتماعي، ودمعةً واضحةً تحت إضاءة الهاتف، وطفلاً هزيلاً يقفُ بجانبِ رجلٍ يبتسمُ وهو يمنحهُ بطانيةً كأنّهُ يوزّعُ مفاتيحَ الجنّة.هكذا تحوّلتْ كثيرٌ من منظماتِ المجتمع المدني إلى استوديوهاتٍ متنقلة، تبحثُ عن الفقر لا لمعالجته، بل لتوثيقه، وعن البؤس لا لإنهائه، بل لاستثماره، حتى صارَ العراقيُّ الفقيرُ مادةً إعلانيةً أكثرَ منهُ إنساناً يستحقُّ الكرامة.حين سقطتِ الدولةُ في متاهاتِ الفساد، قيل لنا إنّ المجتمع المدني سيكونُ البديلَ الأخلاقي، وإنّ تلك المنظمات ستعيدُ للناسِ صوتهم، وستكونُ عيناً تراقبُ السلطة، ويداً تنتشلُ المنسيين من الظلام، وعقلاً يُعيدُ ترتيبَ الخراب. لكنَّ الذي حدثَ أنّ كثيراً منها لم يكن سوى دكاكينَ صغيرةٍ معلّقةٍ على أبوابها لافتاتٌ كبيرة، يدخلها الطامعونَ بالتمويل، ويخرجُ منها محترفو المناسبات، أولئكَ الذين يتقنونَ التصفيقَ أكثرَ من إتقانهم القراءة، ويحفظونَ أسماءَ الفنادقِ وقاعاتِ الاحتفال، لكنّهم لا يعرفونَ معنى التنمية، ولا الفرقَ بين العملِ الإنساني والعملِ الاستعراضي.في بلادٍ يئنُّ فيها الملايينُ تحتَ الفقر والبطالة والمخدرات والانتحار والعنف الأسري وتسرّبِ التعليم، لم تستطع آلافُ المنظمات أن تصنعَ فرقاً حقيقياً يُرى على الأرض. لم نسمع عن حملةٍ كبرى أنقذتْ جيلاً من الضياع، ولا عن مشروعٍ وطنيٍّ غيّرَ واقعَ الأحياء الفقيرة، ولا عن ثورةِ وعيٍ صنعتها تلكَ المؤسساتُ التي تستهلكُ أسماءً ضخمةً وشعاراتٍ براقةً عن السلام والتنمية وتمكين الإنسان.كلُّ ما نراهُ غالباً حفلاتٌ مكرّرة، وكراسٍ بلاستيكية، وصورٌ جماعية، وشهاداتُ تقديرٍ تُوزّعُ بالجملة، حتى صارَ العراقيُّ يحملُ عشراتِ الشهاداتِ التكريمية ولا يملكُ ثمنَ دوائه.إنّ المأساةَ ليستْ في وجودِ منظماتٍ فاشلة، فالفشلُ واردٌ في كلِّ مكان، بل في تحوّلِ الفشلِ إلى مهنة، وتحولِ بعضِ المنظمات إلى وسيلةِ ارتزاقٍ اجتماعيٍّ رخيص، يتسلّقُ بها الجاهلونَ سلّمَ الشهرةِ الوهمية. صارَ بعضُ رؤساءِ المنظمات يتحدثونَ عن حقوقِ الإنسان وهم يمارسونَ الإهانةَ داخلَ مؤسساتهم، ويتكلمونَ عن المرأةِ وهم يرونها مجرّدَ صورةٍ تُزيّنُ منشوراً إعلانياً، ويتغنونَ بالطفولةِ وهم لا يعرفونَ كيف يُكتبُ مشروعٌ تربويٌّ واحدٌ يُنقذُ طفلاً من الشارع.والأشدُّ سخريةً أنّ بعضَ هذه المنظماتِ تحوّلتْ إلى مهرجاناتٍ للألقاب. رئيسُ منظمةٍ دولية، وسفيرُ سلام، وناشطٌ عالمي،ومستشارُ تنمية، وأنتَ حين تبحثُ عن أثرِ كلِّ هذهِ الألقاب لا تجدُ سوى صفحةٍ مليئةٍ بالصور، وتعليقاتٍ من نوع: “مبدع”، “رائع”، “فخر”، بينما الوطنُ يغرقُ أكثر، والناسُ تزدادُ تعباً، والمدارسُ تتحوّلُ إلى خرائب، والشبابُ إلى طوابيرِ انتظارٍ طويلةٍ أمامَ أبوابِ البطالة.لقد أُهينَ معنى العملِ المدني في العراق حين صارَ بوابةً للباحثين عن الوجاهة الاجتماعية لا عن التغيير. العملُ المدني ليسَ ربطةَ عنقٍ وشعاراً مطبوعاً على لافتة، وليسَ مؤتمراً يُقامُ في فندقٍ فاخرٍ يتحدثُ فيه الجميعُ عن معاناةِ الفقراء وهم يتناولونَ الحلوى الفاخرة. العملُ المدني الحقيقي هو أن تدخلَ إلى الأماكنِ التي تخافُ الدولةُ من رؤيتها، أن تذهبَ إلى القرى المنسية، إلى المدارسِ الطينية، إلى الأرامل اللواتي يأكلهنّ النسيان، إلى الشبابِ الذين دفنتهم المخدرات، إلى السجونِ التي تبتلعُ الإنسانَ بصمت، إلى الأطفالِ الذين كبروا وهم لا يعرفونَ شكلَ الحلم.
ليسَ المطلوبُ إلغاءَ فكرةِ منظماتِ المجتمع المدني، لأنّ المجتمعاتِ الحيّة تحتاجُ دائماً إلى مؤسساتٍ مستقلةٍ تراقبُ وتحاسبُ وتساعدُ وتبني الوعي، لكنَّ المطلوبَ أن يُفتحَ بابُ المحاسبةِ على مصراعيه. أيُّ منظمةٍ لا تملكُ مشروعاً حقيقياً وأثراً واضحاً وشفافيةً ماليةً يجبُ أن تُغلق. وأيُّ مؤسسةٍ تتاجرُ بالفقرِ أو تُهينُ كرامةَ المحتاجين بالتصويرِ والاستعراضِ ينبغي أن تُحاسب، لأنّ الإنسانَ ليسَ منشوراً إعلانياً للحصولِ على التمويل، ولا سلعةً تُستخدمُ لاستدرارِ التعاطف.العراقُ لا يحتاجُ إلى المزيدِ من الصورِ الجماعية، بل إلى من يزرعُ أملاً حقيقياً في هذا الخراب. لا يحتاجُ إلى ناشطينَ محترفي كاميرات، بل إلى عقولٍ تعرفُ كيف تبني الإنسان. فالبلادُ التي علّمتِ العالمَ الحرفَ الأول، لا يليقُ بها أن تتحوّلَ إلى مسرحٍ طويلٍ لشهاداتِ التقدير الرخيصة، بينما الحقيقةُ الوحيدةُ التي تتضخمُ كلَّ يوم هي هذا الخرابُ الجالسُ على صدرِ الوطن، يضحكُ ساخراً من الجميع، ومن تلكَ المنظماتِ التي رفعتْ شعاراتِ الإنسانية، لكنها نسيتْ الإنسان.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.