أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .














المزيد.....

نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 10:05
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا تسقط الحكومات حين تفشل، بل حين تتوهم أنها خُلقت لتبقى. تلك هي المأساة التي لم يفهمها كثير من الحكّام الذين جلسوا فوق الكرسي العراقي كمن يجلس فوق برميل بارود ويظنّه أريكة ملوكية. العراق ليس بلداً يُدار بالشعارات، ولا بالهتافات، ولا بصور الزعماء المعلقة على الجدران كأيقونات مقدسة، بل دولة أنهكتها الحروب حتى صار الناس فيها يفرّقون بين صوت المطر وصوت الرصاص بصعوبة.رئيس الحكومة الجديد، إن أراد النجاة، فعليه أن يفهم منذ اللحظة الأولى أن العالم لا يحترم الضعفاء الذين يتحدثون بلغة البطولة في المؤتمرات ويعودون ليختبئوا خلف الميليشيات في الليل. السياسة ليست قصيدة حماسية تُلقى على جمهور جائع، بل فن النجاة وسط الذئاب. ومن لا يسمع لصوت العالم، يسمع لاحقاً لصوت العقوبات والانهيارات وصفارات الإفلاس.ليس عيباً أن يتبع العراق الدولة الأقوى إذا كانت مصلحة العراق هي البوصلة، فالسياسة ليست درساً في العناد الأخلاقي، بل إدارة للمصالح. الدول العظمى لا تبكي إذا جاع العراقي، ولا تصوم إذا مات فقير في مدينة الصدر أو البصرة أو العمارة. العالم يحترم القوي القادر على حماية دولته، لا الحاكم الذي يوزع الخطب الوطنية فيما حدود بلاده مفتوحة للنفوذ والسلاح والوصاية.لقد أثبتت السنوات الماضية أن أكبر كارثة أصابت العراق لم تكن الاحتلال وحده، بل العقلية الحزبية الضيقة التي تعاملت مع الدولة كغنيمة حرب. صار الوزير موظفاً عند الحزب، والمدير تابعاً للمكتب الاقتصادي، والمواطن مجرد رقم انتخابي يُستدعى كل أربع سنوات ثم يُعاد إلى الظلام. لم يعد أحد يسأل: كيف نبني دولة؟ بل صار السؤال الأكثر تداولاً: كيف نحمي حصتنا من الدولة؟وهنا تبدأ الكوميديا السوداء العراقية؛ بلد نفطي غني، لكنه يستورد حتى الأمل من الخارج. مسؤولون يتحدثون عن السيادة بينما حماياتهم أكثر من عدد كتب المدارس. سياسيون يصرخون ضد أمريكا نهاراً، ثم يرسلون أبناءهم إليها ليلاً للدراسة والعلاج والاستثمار. إنها جمهورية التناقضات التي تحوّل فيها الكذب إلى مؤسسة رسمية، وصار الناطق باسم الحقيقة يبدو كأنه متهم يحتاج إلى اعتذار.أخطر ما يواجه أي رئيس حكومة جديد ليس المعارضة، بل المستشارون التافهون الذين يحيطون به كفقاعات صابون، يخبرونه كل صباح أنه عبقري تاريخي، وأن الشعب يعشقه، وأن صورته تضيء القلوب، بينما البلاد تغرق في الفساد والانهيار. الحاكم العربي غالباً لا يسقط بسبب خصومه، بل بسبب جوقة المنافقين الذين يبيعونه الوهم حتى اللحظة الأخيرة. وما أكثر الذين انتهوا وهم يظنون أن الجماهير تهتف لهم، بينما كانت في الحقيقة تنتظر فقط لحظة سقوطهم.
العراق لا يحتاج اليوم إلى خطيب، بل إلى رجل دولة يفهم أن الطغيان بعد النجاح هو بداية النهاية. كل سلطة عربية تبدأ بشعار الإصلاح وتنتهي بجيش إلكتروني يشتم الناس ويخونهم ويطارد الصحفيين. وحين يعجز المسؤول عن بناء مدرسة أو مستشفى، يبدأ ببناء جدار خوف حول نفسه. هكذا تتحول الدولة شيئاً فشيئاً إلى شركة أمنية ضخمة تحرس الفساد.كان يمكن للحكومات السابقة أن تستثمر الدعم الدولي والإقليمي لبناء دولة حقيقية، لكنها فضّلت الرقص فوق حبال الولاءات. العالم منح العراق فرصاً كثيرة، لكن الفساد كان أسرع من كل مشروع. الأموال التي كان يفترض أن تبني المصانع ذهبت إلى جيوب الحيتان، والمشاريع التي أعلنتها الفضائيات تحولت إلى لافتات صدئة على طرق مكسرة. حتى المواطن العراقي صار يسمع بكلمة “إنجاز” فيضحك كمن يسمع نكتة قديمة.أما الكارثة الكبرى، فهي السلاح الخارج عن الدولة. هنا تكمن العقدة الحقيقية، لا في تبدل الحكومات ولا في تغيير الوجوه. الدولة لا يمكن أن تعيش بجيشين، ولا بسيادتين، ولا بعقيدتين. وحين يصبح قرار الحرب والسلم بيد جماعات مرتبطة بمشاريع خارجية، تتحول الحكومة إلى موظف إداري يدير الفوضى فقط.لقد عاش العراقي سنوات طويلة داخل دولة عميقة تحرسها البنادق أكثر مما يحرسها القانون. وكلما حاول أحد الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، خرجت الجوقة ذاتها لتتهمه بالخيانة أو العمالة أو التآمر. كأن الوطن صار مزرعة مغلقة لا يحق لأحد أن يسأل من يملك البندقية ولماذا.العالم اليوم لا يبدو مستعداً لمواصلة لعبة المجاملات. الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية تتزايد، والرسائل واضحة: لا وجود مستقبلاً لأي تشكيل مسلح خارج سيطرة الدولة. لم تعد المسألة مرتبطة بتبديل الأسماء أو إعادة التدوير السياسي، بل بحقيقة أن الدول الكبرى لا تريد عراقاً متعدد الرؤوس والسلاح. ومن يظن أن المناورة ستطيل عمر الأزمة، يشبه من يؤجل علاج السرطان لأن المسكنات ما زالت تعمل.لكن المأساة الأعمق أن بعض القوى ما زالت تراهن على الوقت، كأن العراق مجرد غرفة انتظار لمصير المنطقة. وهنا يتحول الوطن إلى رهينة جغرافيا، ويصبح المواطن مجرد تفصيل صغير في لعبة النفوذ الكبرى. بينما الناس تريد كهرباء وعملاً ومدارس وكرامة، ينشغل الساسة بحسابات المحاور، وكأن العراقي وُلد فقط ليكون وقوداً لمعارك الآخرين.رئيس الحكومة الجديد أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يكون عراقياً حتى النهاية، فيعيد للدولة قرارها وهيبتها، أو يبقى أسيراً لمنظومة الخوف والمساومات، فيدخل البلاد في عزلة طويلة قد لا ينجو منها أحد. العراق لم يعد يحتمل مزيداً من الأكاذيب الرسمية ولا البيانات البلاغية المنتفخة. الناس تعبت من سماع كلمة “سنضرب الفساد بيد من حديد”، بينما اللصوص يزدادون ثراءً والبلاد فقراً.
إن الدولة لا تُبنى بالخوف، بل بالقانون. ولا تُحمى بالشعارات، بل بالمؤسسات. وما لم تُكسر الحلقة التي جعلت من العراق ساحة نفوذ وسوق فساد ومسرح ميليشيات، فسيبقى كل رئيس حكومة مجرد مدير أزمة يرتدي بدلة رسمية.
العراق اليوم يقف عند حافة لحظة تاريخية؛ إما نهاية زمن البنادق المتعددة وبداية الدولة، أو استمرار السير في نفق طويل تأكل فيه الفوضى ما تبقى من الوطن. وحين يصل بلد ما إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال: من سيحكم؟ بل: هل ستبقى هناك دولة أصلاً؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .