أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟














المزيد.....

دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 08:27
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا يبدأُ الظلمُ من السجون،بل من رغيفِ الخبز حين يصبحُ أغلى من كرامة الإنسان، ومن دمعةِ المتقاعد حين يجلسُ أمام صيدليةٍ عاجزاً عن شراء دواءٍ لقلبه، بينما تمرُّ مواكبُ الساسة بجانبه كأنها ارتالُ غزاةٍ عادوا لتوِّهم من نهبِ مدينةٍ سقطت للتو. هنا، في هذا البلد الذي تحوّل إلى حفرةٍ فلسفيةٍ عميقة، لم يعد السؤالُ:لماذا يجوع الناس؟ بل: كيف استطاعوا احتمالَ كلِّ هذا الجوع دون أن يحترقَ العالم؟.. ذلك الرجلُ الذي تراهُ مطأطئ الرأس أمام المصرف، ليس فرداً عادياً… إنّهُ تاريخٌ كاملٌ يُهان. وجهُهُ ليس وجهاً شخصياً، بل خارطةُ وطنٍ مسحوق. تجاعيدُه ليست شيخوخةً طبيعية، بل آثارُ حكوماتٍ تعاقبت على نهبِ العراق كما تتعاقب الغربانُ على جيفةٍ في العراء. عيناهُ اللتان ترتجفان من التعب، هما آخرُ ما تبقى من كرامةِ الدولة قبل أن تُباع في مزادِ العمائم، وفي بورصةِ الخطب الكاذبة، وفي مواخيرِ السياسة التي تتوضأ بالكذب ثم تصعد المنابر لتحدّث الفقراء عن الصبر والزهد والقناعة.
يا للسخرية…أيُّ وقاحةٍ هذه حين يأتيكَ رجلٌ يسكنُ قصراً محاطاً بالمصفحات والحمايات والكاميرات، ليحدّثك عن فضيلةِ الجوع؟ أيُّ فلسفةٍ قذرة تلك التي تجعلُ السياسيَّ يسرقُ ملياراً ثم يمنحُ الفقيرَ خطبةً عن التحمّل؟ صار الوطنُ أشبهَ بمسرحيةٍ سوداء يكتبها مهرّجون سكارى؛ المواطنُ فيها يموتُ من القهر، بينما الحاكمُ يضحكُ في نشرات الأخبار ويتحدث عن الإنجازات وكأنّ المقابر مشاريعُ إعمار.هذا المتقاعد الذي خدمَ العراق أربعين عاماً، لم يكن يتخيّل أنّ خاتمةَ عمره ستكون بهذا القدر من الإهانة. كان يظنُّ أنّ الوطنَ أمٌّ، فاكتشف متأخراً أنّها شركةُ لصوص. كان يعتقد أنّ الدولة تحفظُ أبناءها، فإذا بها تبيعهم في سوقِ الحاجة ثم تتركهم يتسولون العلاج. وحين يمرض، لا يجدُ سوى جدارٍ بارد، وموظفٍ بائس، وطبيبٍ يعتذر لأنّ “الدواء غير متوفر”، بينما خزائن النفط تُفتحُ لغير العراقيين كما تُفتحُ أبوابُ الولائم للملوك.إنّ مأساةَ العراق لم تعد سياسيةً فقط، بل وجودية. لقد نجحَ الفاسدون في تحويل الإنسان العراقي إلى كائنٍ يعتادُ الذل كما يعتادُ التنفس. أقنعوه أنَّ الفقرَ قضاءٌ وقدر، بينما ثرواتُه تُهرّبُ ليلاً عبر الحدود. علّموه أنَّ الصبرَ فضيلة، لكنهم لم يصبروا يوماً عن سرقةِ صفقةٍ أو نهبِ عقدٍ أو بيعِ منصب. جعلوا الشعبَ يتعبدُ بالجوع، بينما هم يتعبدون بالدولار.كم يبدو المشهدُ مرعباً حين ترى متقاعداً يبيعُ أثاثَ بيته ليشتري حقنة، بينما مسؤولٌ واحدٌ ينفقُ في ليلةٍ واحدة ما يكفي لإطعام حيٍّ كامل. كم هو مهينٌ أن يصبحَ العراقيُّ غريباً في وطنه، يتوسلُ حقَّهُ كما يتوسلُ اللاجئُ صدقةً على الحدود، بينما الذين نهبوا البلاد يتحدثون عن الوطنية بوجوهٍ سمينةٍ لا تعرفُ الجوع إلا في نشرات التلفاز.لقد بنوا القصورَ من عظامِ الفقراء، وشيّدوا نفوذهم فوق ظهور الأرامل والمتقاعدين والجائعين. كلُّ حجرٍ في قصورهم هو ضلعٌ مكسورٌ لموظفٍ متقاعد، وكلُّ سيارةٍ مصفحةٍ تمرُّ في الشوارع هي إهانةٌ جديدة لطفلٍ يبحثُ في القمامة عن بقايا طعام. وحين يخرجُ الناسُ صارخين من القهر، يتهمونهم بالفوضى، وكأنّ الجائع يجب أن يموتَ بصمتٍ كي لا يزعج أناقةَ الفاسدين.أيُّ وطنٍ هذا الذي يخافُ فيه المواطنُ من المرض أكثرَ من الموت؟
أيُّ جمهوريةٍ هذه التي يصبحُ فيها المتقاعدُ عالةً بعد عمرٍ كاملٍ من الخدمة، بينما يتحولُ اللصُّ إلى “سيادة” و”معالي” و”سماحة”؟
لقد انقلبت القيمُ حتى صار الشريفُ يشعرُ بالخجل من فقره، بينما السارقُ يرفعُ رأسه مزهواً بما نهب.العراق اليوم ليس بلداً… بل جرحٌ مفتوح. وطنٌ يُدارُ بعقليةِ الغنيمة، لا بعقليةِ الدولة. ولذلك لم يعد الناسُ يبكون من الفقر فقط، بل من الإهانة. الإهانة التي تجعلُ رجلاً عجوزاً يقفُ ساعاتٍ تحت الشمس ليستلم راتباً بالكاد يكفيه أسبوعاً، ثم يعودُ إلى بيته ليشاهد على الشاشة مسؤولاً يبتسم وهو يتحدث عن “تحسن الوضع المعيشي”. كأنّهم يسخرون من الشعب عمداً، كأنّهم يريدون اختبارَ إلى أيِّ حدٍّ يستطيع العراقي أن يتحمل القهر قبل أن ينفجر.والانفجارُ ليس فوضى… بل لحظةُ استعادةِ الكرامة. فالشعوبُ لا تثورُ لأنها تحبُّ الضجيج، بل لأنها تتعبُ من الصمت. والمتقاعدُ الذي يبكي اليوم بصمت، يحملُ في دموعه كلَّ أسبابِ الغضب القادم. لأنّ الجوع حين يتحولُ إلى فلسفةٍ رسمية، والفساد إلى عقيدة، والصبر إلى أداةِ تخديرٍ للشعوب، فإنّ الوطنَ لا يعودُ وطناً، بل سجناً كبيراً بحجمِ خريطة.سيأتي يومٌ يدركُ فيه العراقيون أنّ أخطرَ اللصوص ليس الذي سرق المال فقط، بل الذي سرقَ إحساسهم بحقهم في الحياة. ذلك الذي جعلهم يعتذرون عن المطالبةِ بالكرامة، ويشعرون بالذنب لأنهم يريدون وطناً لا يُهان فيه المتقاعد، ولا يموتُ فيه الفقيرُ على أبواب المستشفيات، ولا تتحولُ فيه العمامةُ إلى خزنةِ أموال، والخطبةُ إلى غطاءٍ للسرقة، والسياسةُ إلى مهنةٍ لبيعِ البلاد قطعةً قطعة.وحين ينهضُ هذا الشعب، لن يكون غضبُه مجردَ احتجاجٍ على راتبٍ أو خدمة، بل سيكونُ انتقاماً أخلاقياً لكلِّ دمعةٍ سقطت من عينِ متقاعدٍ شعرَ في آخرِ عمره أنّ الوطن الذي أفنى عمره لأجله… قد باعهُ بثمنٍ بخس.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.


المزيد.....




- تزايد تقليص الهجرة الشرعية لأمريكا بشكل غير مسبوق
- فيديو يُظهر ما يبدو إلى تعرض حشد لرذاذ الفلفل بعد إقبال كثيف ...
- أبوظبي: التعامل مع حريق خارج محطة براكة للطاقة النووية إثر ض ...
- ألمانيا ـ تقرير يرصد تراجعا -مقلقا- لرفاهية وتعليم الأطفال
- ما شروط إيران لاستئناف المحادثات مع واشنطن؟
- التهجير الخفي.. كيف تعيد إسرائيل تشكيل الواقع الديمغرافي في ...
- لماذا لم يعد العالم ينجب أطفالا؟
- هل تكشف إعادة التحقيق دور أرملة رئيس رواندا السابق في الإباد ...
- أمنيات يغتالها نتنياهو.. أبناء غزة يغيبون مجدداً عن مناسك ال ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. غارات مكثفة تستهدف قضاء صور في لبنان ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟