أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - التخريب الذي لا يُرى.















المزيد.....

التخريب الذي لا يُرى.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 10:03
المحور: قضايا ثقافية
    


العراق لم يسقط حين دخلت الدبابات، بل سقط حين تغيّرت اللغة التي يفكر بها الناس. فالحروب الحقيقية لا تبدأ بالقصف، وإنما تبدأ حين يصبح الإنسان عاجزًا عن معرفة عدوه من صديقه، وحين يتحول الخراب إلى وجهة نظر، والفساد إلى مهارة سياسية، والطائفية إلى هوية مقدسة، والجهل إلى رأي يُحترم أكثر من المعرفة. هناك أمم تُهزم عسكريًا ثم تنهض، لكن أخطر الهزائم هي تلك التي تصيب العقل الجمعي، لأنها تجعل الأمة تمشي إلى قبرها وهي تظن أنها تتجه نحو الخلاص.العراق اليوم ليس دولة منهكة فقط، بل ذاكرة منهكة. شعبٌ أُعيدت برمجة وعيه طويلًا حتى صار يرى الأشياء بالمقلوب؛ اللص صار زعيمًا، والميليشيا صارت مؤسسة، والخراب صار “استقرارًا”، والسكوت صار حكمة، والخوف صار وطنية. وهذه ليست مصادفات التاريخ، بل نتيجة طويلة لما يمكن تسميته بالتخريب الأيديولوجي، ذلك الخراب الناعم الذي لا يُسمع له انفجار، لكنه يلتهم روح الأمم ببطء، مثل صدأٍ يأكل الحديد من الداخل حتى ينهار السقف فوق رؤوس الجميع.لقد تحوّل العراق بعد 2003 إلى مختبر هائل لإعادة تشكيل الإنسان العراقي نفسيًا وثقافيًا واجتماعيًا. لم يعد الهدف احتلال الأرض فقط، بل احتلال المعنى نفسه. صار المطلوب أن ينسى العراقي من يكون، وأن يُعاد تعريفه ككائن طائفي أو حزبي أو عشائري أو تابع لزعيم ديني أو سياسي. هكذا اختفت فكرة المواطن تدريجيًا، وحلّ محلها الإنسان المُستأجر أيديولوجيًا. الإنسان الذي لا يسأل عن الوطن بل عن حصته من الوطن، ولا يفكر بالمستقبل بل بحصته من الخراب.
كان التخريب يبدأ دائمًا من اللغة. حين تتلوث الكلمات، تتلوث العقول. صار السياسي يتحدث عن “الإصلاح” وهو يقود أكبر ماكينة فساد، ويتحدث عن “السيادة” فيما هاتفه مربوط بسفارة، ويتحدث عن “المقاومة” بينما أولاده يعيشون في أوروبا. وهكذا تحوّلت اللغة السياسية إلى سيرك هائل من الأكاذيب الجميلة، حتى أصبح العراقي يعيش داخل ضباب لغوي لا يعرف فيه أين الحقيقة. وهذا أخطر ما يحدث للأمم؛ أن تفقد القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.لقد نجح التخريب في جعل العراقي يكره العراقي أكثر مما يكره الفاسد الذي يسرقه. وهذه أعظم انتصارات القوى التي تدير الفوضى. فحين ينشغل الناس ببعضهم، ينام اللص مرتاحًا. وحين يصبح المواطن خائفًا من جاره بسبب الطائفة أو القومية أو المنطقة، فإن الدولة تموت تلقائيًا. الدولة لا تموت حين تفلس خزائنها، بل تموت حين تتشظى الثقة بين الناس.ولأن التخريب طويل النفس، فإنه لا يعمل بعجلة. يبدأ من التعليم أولًا. مدارس تقتل التفكير، وجامعات تُخرّج موظفين لا عقولًا، ومناهج تكرر الحفظ بدل السؤال. جيل كامل تربى على الخوف من التفكير الحر، لأن التفكير الحر في بلاد الخراب تهمة. هكذا أصبح العقل العراقي يعيش داخل قفص من الشعارات الجاهزة. وإذا حاول أحدهم أن يفكر خارج القطيع، جرى اتهامه بالخيانة أو الكفر أو العمالة أو الجنون. فالأنظمة الفاسدة لا تخاف السلاح بقدر خوفها من إنسان يفكر.
ثم جاءت وسائل الإعلام لتكمل المهمة. قنوات تصرخ طوال الليل، محللون يبيعون الوطنية بالدقيقة، جيوش إلكترونية تحوّل الكذب إلى حقيقة جماهيرية. حتى صار المواطن لا يعرف هل يعيش داخل وطن أم داخل استوديو سياسي كبير. الإعلام لم يعد مرآة للواقع، بل مصنعًا لإنتاج الواقع نفسه. وهكذا أصبح العراقي يستهلك الخوف يوميًا كما يستهلك الخبز.أما الدين، ذلك النور الذي كان يفترض أن يطهّر الضمير، فقد جرى جره إلى السوق السياسية. صار بعض رجال الدين يشبهون تجار الأسهم؛ يستثمرون بالمشاعر لا بالإيمان. وحين يتحول المقدس إلى أداة سلطة، يصبح الإنسان مستعدًا أن يقتل أخاه وهو يظن أنه يؤدي واجبًا سماويًا. هنا تبلغ المأساة ذروتها؛ حين يصبح الله نفسه جزءًا من الدعاية السياسية.العراق لم يعد يعيش أزمة حكم فقط، بل أزمة إدراك. الناس لم يعودوا يرون الواقع كما هو، بل كما يُراد لهم أن يروه. ولهذا صار الفقير يدافع عن من سرقه، والعاطل يصفق لمن دمّر اقتصاده، والمواطن يلعن الوطن لكنه ينتخب الجلاد ذاته كل مرة.إنها ليست سذاجة فردية، بل نتيجة هندسة نفسية طويلة جعلت الإنسان يتكيف مع الخراب حتى صار يعتبره طبيعيًا. العراقي اليوم يشبه رجلًا يعيش داخل بيت يحترق منذ عشرين عامًا، لكنه منشغل بطلاء الجدران.وما يزيد السخرية أن الجميع يتحدث عن الوطن فيما الجميع ينهش الوطن. السياسي يتحدث عن التضحية من خلف زجاجٍ مضاد للرصاص، والمثقف يتحدث عن الحرية وهو يبحث عن منحة، ورجل الدين يتحدث عن الزهد من فوق منبر مذهب بالذهب، والإعلامي يتحدث عن الحقيقة وهو يتقاضى راتبه من جهة مجهولة. صار العراق مثل مسرح عبثي كبير، كل الممثلين فيه يرتدون أقنعة الوطنية، فيما الجمهور وحده يدفع ثمن التذكرة والدم معًا.
إن أخطر مراحل التخريب ليست الفوضى، بل “التطبيع” مع الفوضى.حين يعتاد الناس على القبح فلا يعودون يندهشون منه. حين يصبح خبر اغتيال أو سرقة مليار أو انهيار مستشفى مجرد خبر عابر بين إعلانين. هنا يفقد المجتمع مناعته الأخلاقية. فالإنسان لا يُهزم حين يجوع فقط، بل حين يعتاد الجوع ويعتبره قدرًا أبديًا.
لقد تحول العراق إلى بلد يعيش بين حنينٍ للماضي وخوفٍ من المستقبل وعجزٍ عن صناعة الحاضر. وهذه هي البيئة المثالية لأي مشروع تخريبي؛ شعبٌ متعب، ومؤسسات ضعيفة، ونخب متصارعة، ومواطن يبحث فقط عن النجاة الفردية. وحين يصل الإنسان إلى مرحلة “النجاة الفردية”، تموت فكرة الوطن تلقائيًا، لأن الوطن لا يُبنى بالخائفين بل بالمؤمنين به.لكن المأساة الأعمق أن العراق ليس ضحية الخارج فقط، بل ضحية قابلية داخلية للاستلاب. فالقوى الخارجية لا تستطيع اختراق مجتمع متماسك يعرف نفسه جيدًا. التخريب ينجح حين يجد بيئة قابلة للتشقق. ولهذا فإن معركة العراق الحقيقية ليست ضد دولة معينة أو حزب معين، بل ضد إعادة تشكيل الوعي العراقي نفسه. ضد تحويل الإنسان إلى تابع أعمى، وضد قتل قدرته على التفكير والنقد والرفض.إن أخطر استعمار في التاريخ ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقل. لأن المحتل حين يغادر الأرض قد يبقى داخل الرأس لعقود. والعراق اليوم يبدو كأنه خرج من الحروب العسكرية ليدخل حربًا أشد قسوة؛ حرب على المعنى، على الهوية، على الحقيقة نفسها.ولهذا فإن خلاص العراق لن يبدأ من تغيير الوجوه، بل من تحرير العقل العراقي من هذا الخراب الطويل. فالأمم لا تنهض بالانتخابات وحدها، بل حين تستعيد قدرتها على رؤية الحقيقة دون وسطاء، ودون سماسرة أيديولوجيا، ودون تجار خوف.وحين يحدث ذلك فقط، سيكتشف العراقي أنه لم يكن يعيش داخل دولة فاشلة فحسب، بل داخل رواية ضخمة كُتبت له بعناية، حتى يصدق أن الخراب قدر، وأن اللص قائد، وأن الصمت حكمة، وأن الوطن مجرد شعار يُرفع في موسم الانتخابات ثم يُرمى في أقرب مزبلة سياسية.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..


المزيد.....




- الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على زيارة ترامب للصين
- تحقيق حصري لـCNN.. تفجير واغتيال يكشف دورًا خفيًا لـCIA في ا ...
- -اختاروا جانبًا-.. سفير أمريكي يدعو دول الخليج للاختيار ما ب ...
- اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل اليمن.. قراصنة يقتادون السفينة ...
- شاهد: البرلمان البريطاني يحيي طقسا عمره قرون قبل خطاب الملك ...
- على وقع المفاوضات المتعثرة.. توغلات إسرائيلية جديدة في جنوب ...
- محاطة بطلاب المدارس والأعلام الحمراء.. طائرة ترامب تهبط في ب ...
- فعلها أوزدمير.. أول حاكم ولاية من أصول تركية في ألمانيا!
- وسط مراسم مهيبة... الملك تشارلز يلقي خطاب العرش في ظل غموض ي ...
- ماكرون خلال قمة -أفريكا فورورد- : لم يعد لأوروبا أمولا لمساع ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - التخريب الذي لا يُرى.