أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.














المزيد.....

الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 00:42
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراقِ فقط، يمكنُ لراعٍ بدويٍّ يجلسُ على صخرةٍ قربَ صفدةٍ منسيةٍ في آخرِ خرائطِ الغبار، أن يكتشفَ إسرائيلَ كلَّ مساءٍ بعينٍ مجرّدة، بينما الأقمارُ الصناعيةُ ما تزالُ تطلبُ تحديثًا للنظام، وأجهزةُ الرادارِ تتثاءبُ كموظفٍ متقاعدٍ في دائرةٍ ماتَ مديرُها منذُ حرب الخليج ولم يُدفن بعد.يا لهُ من اكتشافٍ عظيم… اكتشافٌ جعلَ نيوتن يتركُ التفاحةَ ويسألُ بدهشة: كيف سقطَ العراقُ ولم تسقطْ شعاراتُه؟ وجعلَ غاليليو يهمسُ من قبرهِ: الأرضُ تدورُ فعلًا… لكنَّ العراقَ يدورُ حولَ نفسِ الخرابِ منذُ ألفِ خطيبٍ وألفِ معركةٍ وألفِ بيانٍ يُذاعُ من شاشةٍ تخرجُ منها رائحةُ الكذبِ أكثرَ من دخانِ المعارك.في هذا البلدِ الذي يملكُ جيشًا من المحللينَ الاستراتيجيين، وخبراءَ الصراخِ التلفزيوني، ومحللي “المؤامرة الكونية”، لم يعرفْ أحدٌ أينَ العدوُّ إلا ذلكَ الراعي الذي كانَ يعدُّ أغنامهُ تحتَ ضوءِ القمر.بينما كانتْ الدولةُ العظيمةُ مشغولةً بمناقشةِ حصصِ الوزارات، وتقاسمِ خرائبِ الوطن، وتوزيعِ السيادةِ على شكلِ بياناتٍ ناريةٍ لا تحرقُ سوى جيوبِ الفقراء.العراقُ اليومَ يشبهُ مسرحيةً كتبها مهرّجٌ عبقريٌّ ثم ماتَ من شدّةِ الضحكِ قبلَ أن يُكملَ النهاية.الجميعُ فيهِ يتحدّثُ عن الكرامةِ الوطنيةِ وهو يوقّعُ تحتَ الطاولة، يتحدّثونَ عن تحريرِ القدسِ بينما الحيُّ المجاورُ يغرقُ بالمجاري، ويصرخونَ بالموتِ لإسرائيل بينما الكهرباءُ تموتُ أربعينَ مرةً كلَّ يوم، وكأنَّ الأسلاكَ أيضًا فقدتْ إيمانها بهذا الوطن.ما أغربَ هذهِ البلاد… فيها السياسيُّ الذي لا يستطيعُ حمايةَ مدرسةٍ من المطرِ، لكنهُ مستعدٌّ لتحريرِ الكوكبِ خلالَ خطابٍ حماسيٍّ مدّتُهُ سبعُ دقائق. وفيها المسؤولُ الذي يضعُ صورةَ “المقاومة” خلفَهُ، ثم يرسلُ أبناءهُ للدراسةِ في أوروبا لأنَّ الوطنَ الذي يصرخُ لأجلهِ لا يصلحُ حتى لعلاجِ الزكام.العراقُ الذي صارَ فيهِ الوطنُ يشبهُ امرأةً عجوزًا تُسرقُ حقيبتُها كلَّ صباحٍ ثم يُقامُ لها مؤتمرٌ عن الشرفِ والعفةِ والسيادة. وطنٌ يُنهبُ باسمهِ النفطُ، وتُذبحُ باسمهِ الحقيقةُ، وتُعلَّقُ على جدرانهِ صورُ الأبطالِ أكثرَ من صورِ العلماء. حتى صارَ الجهلُ عندنا يمتطي دبابة، بينما المعرفةُ تبحثُ عن تأشيرةِ هروب.يا لهذا الزمنِ الذي تحوّلَ فيهِ الراعي إلى مركزِ رصدٍ استراتيجي، بينما الأجهزةُ الرسميةُ تتعاركُ على من يسرقُ الميكروفونَ أولًا. صارَ البدوُّ يكتشفونَ ما تعجزُ عنهُ المؤسّسات، لأنَّ الفطرةَ أحيانًا أكثرُ صدقًا من ألفِ جهازٍ استوردوهُ بصفقةٍ فاسدة.إنها ليستْ أزمةَ دولةٍ فقط، بل أزمةُ عقلٍ أدمنَ الخطابةَ حتى صارَ يظنُّ أنَّ الصراخَ علم، وأنَّ الشتيمةَ مشروعُ تحرير، وأنَّ تخوينَ الناسِ نوعٌ من الوطنية. وكلما انهارَ شيءٌ في العراقِ خرجوا علينا بخطابٍ جديدٍ عن المؤامرة، كأنَّ الشعبَ لم يعدْ يعرفُ أنَّ أكبرَ مؤامرةٍ عليهِ كانتْ تُبثُّ من الداخل، من أفواهٍ تتغذّى على الخرابِ كما تتغذّى الغربانُ على الجثث.
في العراقِ تستطيعُ أن تجدَ ألفَ بندقيةٍ موجّهةً نحوَ مواطنٍ جائع، لكنكَ لا تجدُ مسمارًا يُصلحُ مدرسةً آيلةً للسقوط.تستطيعُ أن تسمعَ ألفَ فتوى عن الشهادةِ والخيانة، لكنكَ لا تسمعُ أحدًا يفتي بحرمةِ سرقةِ قوتِ الأرامل. وكأنَّ الوطنَ صارَ مزرعةً ضخمةً للحناجرِ فقط، أما العقولُ فقدْ هاجرتْ منذُ زمنٍ وتركتْ خلفَها مكبّرَ صوت.يا للعظمةِ الزائفة… حينَ يصبحُ الذي يهدّدُ العالمَ عاجزًا عن تعبيدِ شارع، والذي يتوعّدُ إسرائيلَ يرتعبُ من صحفيٍّ فقير، والذي يتحدّثُ عن السيادةِ يفتحُ أبوابَ البلادِ لكلِّ الرياحِ إلا ريحَ الكرامة.ربما لم ينتحرِ العلمُ في العراقِ لأنَّهُ عاجز، بل لأنَّهُ شعرَ بالإهانة. كيفَ يعيشُ العلمُ في بلدٍ يُصفَّقُ فيهِ للخطيبِ أكثرَ من الطبيب؟ كيفَ يبقى المنطقُ حيًّا في أرضٍ تُدارُ بالعاطفةِ والولاءاتِ والطبول؟ وكيفَ ينجو المستقبلُ من شعبٍ يتقاتلُ على الماضي بينما الحاضرُ يُسرقُ أمامهُ كحقيبةِ مسافرٍ نائم؟
ومع هذا… يبقى العراقُ ذلكَ الكائنَ العجيب، الذي يموتُ كلَّ يومٍ ثم ينهضُ كأنَّ في ترابهِ سرًّا إلهيًّا يمنعُ النهاية.وطنٌ مُتعب، مسروق، مثقوبُ القلب، لكنّهُ ما يزالُ يضحكُ من شدّةِ وجعه، كأنَّهُ أدركَ أخيرًا أنَّ الكوميديا ليستْ فنًّا… بل هي الطريقةُ الوحيدةُ لفهمِ ما يجري هنا.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...


المزيد.....




- الإمارات تنفي ما يتم تداوله بشأن -زيارة نتنياهو أو استقبال و ...
- نتنياهو زار الإمارات سرا خلال الحرب مع إيران والتقى بن زايد ...
- سويسرا تبحث عن بديل أوروبي أو آسيوي لـ-باتريوت- الأمريكي
- طفل تونسي يتوج بطلا عالميا للحساب الذهني
- فرنسا تحقق في تدخل شركة إسرائيلية بالانتخابات المحلية
- مكتب نتنياهو يكشف قيامه بـ-زيارة سرية- إلى الإمارات خلال الح ...
- قرقاش: العلاقات العربية الإيرانية -لا يمكن أن تُبنى على المو ...
- ترامب يصل الصين في زيارة نادرة، وملفات التجارة وإيران وتايوا ...
- -لا ترقى الى المعايير الدولية-.. فولكر تورك يطالب إسرائيل بإ ...
- فنزويلا الولاية 51.. -أمريكا أولا- تتوسع نفطيا


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.