أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُرباناً .















المزيد.....

مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُرباناً .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 09:08
المحور: الادب والفن
    


ينقل أولي الألباب عن أساطير الأوّلين ان الإله الروماني (( ساتورن )) إله الخصوبة والزراعة , لم يكن سوى صورة أخرى للإله الإغريقي (( كرونوس )) إله الزمان والفصول ورمز التغيّر والانقضاء , كرونوس هذا كان يلتهم أبناءه فور ولادتهم , خشية أن يفعلوا به ما فعله هو بوالده أورانوس إله السماء , حين قطع خصيتيه وقتله ليحرّر إخوته , ويستولي على العرش الإلهي , لقد ابتلع كرونوس خمسة من أبنائه , لكن الابن السادس (( زيوس )) ربّ الأرباب وحاكم السماء والرعد , نجا بمكيدة من أمّه (( ريّا )) أمّ الآلهة الجالسة على حجر أومفاليس , سُرّة الكون , وحين اشتدّ عوده , شقّ زيوس بطن أبيه كرونوس , فحرّر إخوته , وتحقّقت النبوءة التي كان يخشاها الأب , وتحوّل الزمان إلى ضحية لِمَن كان يخافه , وهكذا تستمر الحكاية , لكن بأثواب جديدة , وأسماء جديدة , ومخاوف لا تتغيّر.

تُعد أسطورة كرونوس أو ساتورن مادة خصبة جداً لإسقاطها على الواقع السياسي الفاسد للدول , فهي لا تتحدث فقط عن صراع أجيال , بل عن (( ديناميكية البقاء في السلطة عبر التدمير الذاتي )) , وكيفية تطويع هذه الأسطورة للحديث عن قيام الفاسدين بتولية فاسدٍ مثلهُم للحكم , وفلسفة (( التهام الأبناء )) وتصفية الكفاءات , كما كان كرونوس يلتهم أبناءه خوفاً من منافستهم , عندما تعمد المنظومة الفاسدة إلى اختيار (( رأس )) يمارس نفس الدور , فالفاسدون لا يولّون المصلحين , بل يختارون من يبرع في (( إعدام )) أي صوت وطني أو كفاءة شابة (( الأبناء )) فور ظهورها , خشية أن يكبُر هؤلاء ويقوّضوا عروش الفساد , والسلطة هنا تصبح مِعدة كبيرة تهضم مستقبل البلاد لتؤمن بقاء الحاكم.

ندخل في الدائرة المفرغة للتوريث الجيني للغدر, كرونوس لم يحكم بالحق , بل وصل للعرش عبر (( خصي )) والده أورانوس , والإسقاط هنا عندما يختار الفاسدون حاكماً , فهم يختارونه من طينتهم , شخصاً تاريخه مبني على الانقلاب على القيم , أو الغدر بالشركاء , أو الصعود فوق الأنقاض , إنهم لا يولّون (( حاكماً )) بل يولّون (( كرونوس جديداً )) يضمن استمرار نفس أسلوب (( الزمان )) القديم في النهب والمراوغة.

في الأسطورة (( ريّا )) و (( زيوس )) ولادة الخلاص من رحم المعاناة , ف(( ريّا )) الأرض/الأم هي التي خدعت الطاغية وأخفت (( زيوس )) الأمل/الثورة , الفاسدون يظنون أنهم أحكموا القبضة بالتخلص من كل المنافسين , لكنهم ينسون أن الظلم يولّد (( زيوس )) الذي ينمو في الخفاء , ان تولية الفاسد ليست نهاية القصة , بل هي تسريع للّحظة التي سيُشقّ فيها (( بطن الفساد )) لتخرج منه الحقوق المنهوبة.

عند دمج الأسطورة بالواقع السياسي , نجد ان الفاسدين يظنّون أنهم بوضع (( كرونوس )) جديد على عرش البلاد قد أمنوا شرّ الزمان , فهم لا يبحثون عن قائد , بل عن (( مِعدة )) تبتلع أحلام الشباب قبل أن تنضج , وتلتهم الكفاءات قبل أن تقوى , إنهم يعيدون إنتاج المأساة , يولّون من يتقن فن (( الخصي السياسي )) لكل بادرة إصلاح , تماماً كما فعل كرونوس بأبيه أورانوس , لكنهم يغفلون عن حقيقة أزلية , أن كل طاغية يبتلع الحقوق , إنما يملأ جوفه بـ (( حجر )) سيهوي به في النهاية , وأن من رحم المعاناة ستخرج (( صاعقة زيوس )) لتشقّ بطن المنظومة وتُحرر الوطن الذي ظنوا أنهم ابتلعوه إلى الأبد .

نجد في اسقاط هذه الأسطورة على الواقع ان الإشارة للزمان (( كرونوس )) تعني أن الفساد يُهدر (( زمن )) الدولة ويحولها إلى (( ضحية )) للماضي , و في توضيح أن اختيار الفاسدين لزعيمهم ليس نابعاً من قوة , بل من (( خوف )) دفين من التغيير , والتأكيد على أن الظلم ينتهي دائماً بانفجار داخلي (( حتمية شق بطن الكيان الفاسد )) ,وعند الانتقال من (( تصفية الخصوم )) إلى (( خداع العامة )) في سياق أسطورة كرونوس , نجد أن التلاعب بالعقول هو (( حجر أومفاليس )) الذي تدور حوله اللعبة , فكما خُدع كرونوس بابتلاع حجرٍ صلد ظنّاً منه أنه ابنه (( زيوس )) تمارس المنظومات الفاسدة الخداع ذاته مع الشعوب , ولكن في الاتجاه المعاكس.

في الأسطورة , الحجر المُقدس وصناعة الرمز الزائف , قامت (( ريّا )) بلفّ حجرعظيم بالقماط وأوهمت كرونوس بأنه ابنه , وهنا يقدم الفاسدون للعامة (( حجراً )) - حاكماً أو مشروعاً - مغلفاً بوعود براقة , وشعارات وطنية , وخطابات عاطفية (( القماط )) , فالعامة يبتلعون هذا الخداع ظناً منهم أنه (( المخلص )) الذي سيغير الزمان , بينما هو في الحقيقة أداة صلبة وميتة هدفها حماية المنظومة وإشغال الناس بـ (( وهم )) السيادة بينما الحقيقة (( زيوس/التغيير الحقيقي )) مُغيّبة تماماً.

تخدير الزمان , والفوضى كأداة للسيطرة , كرونوس هو إله الزمان , والخداع هنا يتمثل في جعل العامة يفقدون الإحساس بالزمن والتقدم , حيث يعمد الفاسدون إلى إدخال العامة في (( دوامة كرونوس )) حيث تدور الأيام في حلقة مفرغة من الأزمات المفتعلة , يُخادعون الناس بأن (( الاستقرار )) لا يتحقق إلا بالسكوت عن الابتلاع , وأن البديل هو الفوضى , فالخداع هنا يكمن في إقناع الضحية بأن (( المفترس )) هو في الواقع (( الحامي )) .

سُرّة الكون واحتكار الحقيقة , حين جلس (( زيوس )) لاحقاً على حجر أومفاليس الذي اعتبره القدماء مركز العالم , ان المنظومة الفاسدة تخلق (( مركزية زائفة )) للحقيقة , يوهمون العامة بأنهم هم (( سُرّة الكون )) وبدونهم ستنهار الدولة , هذا الخداع المعرفي يجعل العامة يخشون التغيير أكثر من خشيتهم من الفساد نفسه , فيتحول الحاكم الفاسد في نظرهم من (( مفترس للأبناء )) إلى (( ضرورة وجودية )) .

إنّ حتمية التاريخ تُخبرنا بأنّ (( كرونوس )) مهما تعاظمت سطوته وازداد نهمه , يظل محكوماً بخوفه الأزلي من الانقضاء , فالفساد الذي يظنّ أنه ابتلع المستقبل واحتوى الغد في جوفه , لا يدرك أنه إنما يبتلع بذور فنائه بيده , فكل حقّ مهضوم هو صاعقة مؤجلة , وكل كفاءة مُقصاة هي (( زيوس )) ينمو في الخفاء , وفي نهاية المطاف , لن يصحّ إلا الصحيح , حيث ينشق بطن الزيف لتخرج منه الحقوق والمستقبل , ويظل (( حجر الخديعة )) شاهداً وحيداً على انكسار الطغيان أمام إرادة الحياة , فلا الزمان يتوقف عند ظالم , ولا الشعوب تظل حبيسة المعدة إلى الأبد.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة جدل الدراويش : سماويٌّ في معمعة الأرض , عن نصٍّ يليق ب ...
- مقامة فخ المال : حين يكون المال هو (( الفقر )) الوحيد .
- مقامة مانيفستو الزهد العراقي : ظِلالُ الثَّمانين , وفلسفةُ ا ...
- مقامة عبء الخلود وفخّ الأبدية : لماذا نحتاج الموت لنحيا ؟
- المقامةُ الذئبيَّة في الحيرةِ البهرزيَّة : السَّكَن , بين ال ...
- مقامة الوجوه : فلسفة الأقنعة وسقوط المتلونين .
- مقامة أولاد حارتنا : جدلية العلم والدين في مرآة طرابيشي .
- مقامة شذرات الرهبنة .
- مقامة نيرودا في الميزان: هل تشفع الموهبة للخطايا الإنسانية ؟
- مقامة قاموس الأرادة و فلسفة الحرف .
- مقامة مناغاة الحزن العراقي : بين حرف ساجدة وأنين الزهيري .
- مقامة رياضيات الرازي : حين يكون الحساب عند سلطان المتكلمين م ...
- مقامة الماهية : قراءة في كرامةِ الحرف وظلال الكلمات.
- مقامة شعوذة ساباتو: رحلة من ميكانيكا الكم إلى ميكانيكا الروح ...
- مقامة فصول الأفندي : من لهيب الشمس إلى المشتتات الرقمية , هل ...
- مقامة الأذان : نبرةَ الروحِ وحاجةَ النفسِ .
- مقامة أحلام بلغةٍ مستعارة : كيف استوطنت الصين وجدان صاحبة (( ...
- مقامة الكيلاني وعيارو بغداد في صالون الأفندي .
- المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
- مقامة تقدمية : سقوط السوبرمان العربي .


المزيد.....




- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...
- غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا ...
- معرض كتاب الرباط 31.. نجاح تنظيمي تخدشه حوادث -منع- وجدل حول ...
- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة التهام الأوطان : حين يصبح الحاكم مَعِدةً والوطنُ قُرباناً .